فخر الدين الرازي
498
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
[ سورة المجادلة ( 58 ) : آية 17 ] لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 17 ) روي أن واحدا منهم قال : لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأولادنا ، فنزلت هذه الآية . [ سورة المجادلة ( 58 ) : آية 18 ] يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ ( 18 ) قال ابن عباس : إن المنافق يحلف للَّه يوم القيامة كذبا كما يحلف لأوليائه في الدنيا كذبا أما الأول : فكقوله : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 23 ] . وأما الثاني : فهو كقوله : وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ [ البقرة : 56 ] والمعنى أنهم لشدة توغلهم في النفاق ظنوا يوم القيامة أنه يمكنهم ترويج / كذبهم بالأيمان الكاذبة على علام الغيوب ، فكان هذا الحلف الذميم يبقى معهم أبدا ، وإليه الإشارة بقوله : وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [ الأنعام : 28 ] قال الجبائي والقاضي : إن أهل الآخرة لا يكذبون ، فالمراد من الآية أنهم يحلفون في الآخرة أنا ما كنا كافرين عند أنفسنا ، وعلى هذا الوجه لا يكون هذا الحلف كذبا ، وقوله : أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ أي في الدنيا ، واعلم أن تفسير الآية بهذا الوجه لا شك أنه يقتضي ركاكة عظيمة في النظم ، وقد استقصينا هذه المسألة في سورة الأنعام في تفسير قوله : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 23 ] . [ سورة المجادلة ( 58 ) : آية 19 ] اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 19 ) قال الزجاج : استحوذ في اللغة استولى ، يقال : حاوزت الإبل ، وحذتها إذا استوليت عليها وجمعتها ، قال المبرد : استحوذ على الشيء حواه وأحاط به ، وقالت عائشة في حق عمر : كان أحوذيا ، أي سائسا ضابطا للأمور ، وهو أحد ما جاء على الأصل نحو : استصوب واستنوق ، أي ملكهم الشيطان واستولى عليهم ، ثم قال : فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ واحتج القاضي به في خلق الأعمال من وجهين الأول : ذلك النسيان لو حصل بخلق اللَّه لكانت إضافتها إلى الشيطان كذبا والثاني : لو حصل ذلك بخلق اللَّه لكانوا كالمؤمنين في كونهم حزب اللَّه لا حزب الشيطان . ثم قال تعالى : [ سورة المجادلة ( 58 ) : الآيات 20 إلى 21 ] إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ ( 20 ) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 21 ) أي في جملة من هو أذل خلق اللَّه ، لأن ذل أحد الخصمين على حسب عز الخصم الثاني ، فلما كانت عزة اللَّه غير متناهية ، كانت ذلة من ينازعه غير متناهية أيضا ، ولما شرح ذلهم ، بين عز المؤمنين فقال : كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ نافع وابن عامر : أَنَا وَرُسُلِي بفتح الياء ، والباقون لا يحركون ، قال أبو علي : التحريك والإسكان جميعا جائزان . المسألة الثانية : غلبة جميع الرسل بالحجة مفاضلة ، إلا أن منهم من ضم إلى الغلبة بالحجة الغلبة بالسيف ، ومنهم من لم يكن كذلك ، ثم قال : إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ على نصرة أنبيائه : عَزِيزٌ غالب لا يدفعه أحد عن مراده ، لأن كل ما سواه ممكن الوجود لذاته ، والواجب لذاته يكون غالبا للممكن / لذاته ، قال مقاتل : إن