فخر الدين الرازي

496

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المناجاة حتى يتصدقوا فلم يناجه أحد إلا / علي عليه السلام تصدق بدينار ، ثم نزلت الرخصة . قال القاضي والأكثر في الروايات : أنه عليه السلام تفرد بالتصدق قبل مناجاته ، ثم ورد النسخ ، وإن كان قد روي أيضا أن أفاضل الصحابة وجدوا الوقت وما فعلوا ذلك ، وإن ثبت أنه اختص بذلك فلأن الوقت لم يتسع لهذا الغرض ، وإلا فلا شبهة أن أكابر الصحابة لا يقعدون عن مثله ، وأقول على تقدير أن أفاضل الصحابة وجدوا الوقت وما فعلوا ذلك ، فهذا لا يجر إليهم طعنا ، وذلك الإقدام على هذا العمل مما يضيق قلب الفقير ، فإنه لا يقدر على مثله فيضيق قلبه ، ويوحش قلب الغني فإنه لما لم يفعل الغني ذلك وفعله غيره صار ذلك الفعل سببا للطعن فيمن لم يفعل ، فهذا الفعل لما كان سببا لحزن الفقراء ووحشة الأغنياء ، لم يكن في تركه كبير مضرة ، لأن الذي يكون سببا للألفة أولى مما يكون سببا للوحشة ، وأيضا فهذه المناجاة ليست من الواجبات ولا من الطاعات المندوبة ، بل قد بينا أنهم إنما كلفوا بهذه الصدقة ليتركوا هذه المناجاة ، ولما كان الأولى بهذه المناجاة أن تكون متروكة لم يكن تركها سببا للطعن . المسألة الرابعة : روي عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال : لما نزلت الآية دعاني رسول اللَّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « ما تقول في دينار ؟ قلت : لا يطيقونه ، قال : كم ؟ قلت : حبة أو شعيرة ، قال : إنك لزهيد » والمعنى إنك قليل المال فقدرت على حسب حالك . أما قوله تعالى : ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ أي ذلك التقديم في دينكم وأطهر لأن الصدقة طهرة . أما قوله : فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فالمراد منه الفقراء ، وهذا يدل على أن من لم يجد ما يتصدق به كان معفوا عنه . المسألة الخامسة : أنكر أبو مسلم وقوع النسخ وقال : إن المنافقين كانوا يمتنعون من بذل الصدقات ، وإن قوما من المنافقين تركوا النفاق وآمنوا ظاهرا وباطنا إيمانا حقيقيا ، فأراد اللَّه تعالى أن يميزهم عن المنافقين ، فأمر بتقديم الصدقة على النجوى ليتميز هؤلاء الذين آمنوا إيمانا حقيقيا عمن بقي على نفاقه الأصلي ، وإذا كان هذا التكليف لأجل هذه المصلحة المقدرة لذلك الوقت ، لا جرم يقدر هذا التكليف بذلك الوقت ، وحاصل قول أبي مسلم : أن ذلك التكليف كان مقدرا بغاية مخصوصة ، فوجب انتهاؤه عند الانتهاء إلى الغاية المخصوصة ، فلا يكون هذا نسخا ، وهذا الكلام حسن ما به بأس ، والمشهور عند الجمهور أنه منسوخ بقوله : أَ أَشْفَقْتُمْ ومنهم من قال : إنه منسوخ بوجوب الزكاة . [ سورة المجادلة ( 58 ) : آية 13 ] أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 13 ) والمعنى أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من إنفاق المال ، فإذ لم تفعلوا ما أمرتم به وتاب اللَّه عليكم ورخص لكم في أن لا تفعلوه ، فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وسائر الطاعات . فإن قيل : ظاهر الآية يدل على تقصير المؤمنين في ذلك التكليف ، وبيانه من وجوه أولها : قوله : أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا وهو يدل على تقصيرهم وثانيها : قوله : فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وثالثها : قوله : وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ قلنا : ليس الأمر كما قلتم ، وذلك لأن القوم لما كلفوا بأن يقدموا الصدقة ويشغلوا بالمناجاة ، فلا بد من تقديم الصدقة ، فمن ترك المناجاة