فخر الدين الرازي

490

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الرابعة : جر ثلاثة في قوله : مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون مجرورا بالإضافة والثاني : أن يكون النجوى بمعنى المتناجين ، ويكون التقدير : ما يكون من متناجين ثلاثة فيكون صفة . المسألة الخامسة : قرأ ابن أبي عبلة ( ثلاثة ) و ( خمسة ) بالنصب على الحال ، بإضمار يتناجون لأن نجوى يدل عليه . المسألة السادسة : أنه تعالى ذكر الثلاثة والخمسة ، وأهمل أمر الأربعة في البين ، وذكروا فيه وجوها : أحدها : أن هذا إشارة إلى كمال الرحمة ، وذلك لأن الثلاثة إذا اجتمعوا ، فإذا أخذ اثنان في التناجي والمشاورة ، بقي الواحد ضائعا وحيدا ، فيضيق قلبه فيقول اللَّه تعالى : أنا جليسك وأنيسك ، وكذا الخمسة إذا اجتمعوا بقي الخامس وحيدا فريدا ، أما إذا كانوا أربعة لم يبق واحد منهم فريدا ، / فهذا إشارة إلى أن كل من انقطع عن الخلق ما يتركه اللَّه تعالى ضائعا وثانيها : أن العدد الفرد أشرف من الزوج ، لأن اللَّه وتر يحب الوتر ، فخص الأعداد الفرد بالذكر تنبيها على أنه لا بد من رعاية الأمور الإلهية في جميع الأمور وثالثها : أن أقل ما لا بد منه في المشاورة التي يكون الغرض منها تمهيد مصلحة ثلاثة ، حتى يكون الاثنان كالمتنازعين في النفي والإثبات ، والثالث كالمتوسط الحاكم بينهما ، فحينئذ تكمل تلك المشورة ويتم ذلك الغرض ، وهكذا في كل جمع اجتمعوا للمشاورة ، فلا بد فيهم من واحد يكون حكما مقبول القول ، فلهذا السبب لا بد وأن تكون أرباب المشاورة عددهم فردا ، فذكر سبحانه الفردين الأولين واكتفى بذكرهما تنبيها على الباقي ورابعها : أن الآية نزلت في قوم من المنافقين ، اجتمعوا على التناجي مغايظة للمؤمنين ، وكانوا على هذين العدين ، قال ابن عباس نزلت هذه الآية في ربيعة وحبيب ابني عمرو ، وصفوان بن أمية ، كانوا يوما يتحدثون ، فقال أحدهم : هل يعلم اللَّه ما تقول ؟ وقال الثاني : يعلم البعض دون البعض ، وقال الثالث : إن كان يعلم البعض فيعلم الكل وخامسها : أن في مصحف عبد اللَّه : ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا اللَّه رابعهم ، ولا أربعة إلا اللَّه خامسهم ، ولا خمسة إلا اللَّه سادسهم ، ولا أقل من ذلك ولا أكثر إلا اللَّه معهم إذا أخذوا في التناجي ) . المسألة السابعة : قرئ : وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ بالنصب على أن لا لنفي الجنس ، ويجوز أن يكون وَلا أَكْثَرَ بالرفع معطوفا على محل ( لا ) مع ( أدنى ) ، كقولك : لا حول ولا قوة إلا باللَّه ، بفتح الحول ورفع القوة والثالث : يجوز أن يكونا مرفوعين على الابتداء ، كقولك : لا حول ولا قوة إلا باللَّه والرابع : أن يكون ارتفاعهما عطفا على محل مِنْ نَجْوى كأنه قيل : ما يكون أدنى ولا أكثر إلا هو معهم ، والخامس : يجوز أن يكونا مجرورين عطفا على نَجْوى كأنه قيل : ما يكون من أدنى ولا أكثر إلا هو معهم . المسألة الثامنة : قرئ : ولا أكبر بالباء المنقطعة من تحت . المسألة التاسعة : المراد من كونه تعالى رابعا لهم ، والمراد من كونه تعالى معهم كونه تعالى عالما بكلامهم وضميرهم وسرهم وعلنهم ، وكأنه تعالى حاضر معهم ومشاهد لهم ، وقد تعالى عن المكان والمشاهدة . المسألة العاشرة : قرأ بعضهم : ثم ينبئهم بسكون النون ، وأنبأ ونبأ واحد في المعنى ، وقوله : ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ أي يحاسب على ذلك ويجازي على قدر الاستحقاق ، ثم قال : إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ