فخر الدين الرازي
482
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الشرع جعله سببا في حصول الحرمة ، فلما لم يرد الشرع بهذا التشبيه ، كان جعله إنشاء في وقوع هذا الحكم يكون كذبا وزورا ، وقال / بعضهم : إنه تعالى إنما وصفه بكونه : مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً لأن الأم محرمة تحريما مؤبدا ، والزوجة لا تحرم عليه بهذا القول تحريما مؤبدا ، فلا جرم كان ذلك منكرا من القول وزورا ، وهذا الوجه ضعيف لأن تشبيه الشيء بالشيء لا يقتضي وقوع المشابهة بينهما من كل الوجوه ، فلا يلزم من تشبيه الزوجة بالأم في الحرمة تشبيهها بها في كون الحرمة مؤبدة ، لأن مسمى الحرمة أعم من الحرمة المؤبدة والمؤقتة . قوله تعالى : إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً أما الكلام في تفسير لفظة اللائي ، فقد تقدم في سورة الأحزاب عند قوله : وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ [ الأحزاب : 4 ] ثم في الآية سؤالان : وهو أن ظاهرها يقتضي أنه لا أم إلا الوالدة ، وهذا مشكل ، لأنه قال في آية أخرى : وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [ النساء : 23 ] وفي آية أخرى : وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [ الأحزاب : 6 ] ولا يمكن أن يدفع هذا السؤال بأن المعنى من كون المرضعة أما ، وزوجة الرسول أما ، حرمة النكاح ، وذلك لأنا نقول : إن بهذا الطريق ظهر أنه لا يلزم من عدم الأمومة الحقيقية عدم الحرمة ، فإذا لا يلزم من عدم كون الزوجة أما عدم الحرمة ، وظاهر الآية يوهم أنه تعالى استدل بعدم الأمومة على عدم الحرمة ، وحينئذ يتوجه السؤال والجواب : أنه ليس المراد من ظاهر الآية ما ذكره السائل بل تقدير الآية كأنه قيل : الزوجة ليست بأم ، حتى تحصل الحرمة بسبب الأمومة ، ولم يرد الشرع بجعل هذا اللفظ سببا لوقوع الحرمة حتى تحصل الحرمة ، فإذا لا تحصل الحرمة هناك البتة فكان وصفهم لها بالحرمة كذبا وزورا . ثم قال تعالى : وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ إما من غير التوبة لمن شاء كما قال : وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ * أو بعد التوبة . [ سورة المجادلة ( 58 ) : آية 3 ] وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 3 ) قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا قال الزجاج : الَّذِينَ رفع بالابتداء وخبره فعليهم تحرير رقبة ، ولم يذكر عليهم لأن في الكلام دليلا عليه ، وإن شئت أضمرت فكفارتهم تحرير رقبة . أما قوله تعالى : ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فاعلم أنه كثر اختلاف الناس في تفسير هذه الكلمة ، ولا بد أولا من بيان أقوال أهل العربية في هذه الكلمة ، وثانيا من بيان أقوال أهل الشريعة ، وفيها مسائل : المسألة الأولى : قال الفراء : لا فرق في اللغة بين أن يقال : يعودون لما قالوا : وإلى ما قالوا وفيما قالوا ، أبو علي الفارسي : كلمة إلى واللام يتعاقبان ، كقوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا [ الأعراف : 43 ] وقال : فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ [ الصافات : 23 ] وقال تعالى : وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ [ هود : 36 ] وقال : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [ الزلزلة : 5 ] . المسألة الثانية : لفظ ما قالوا في قوله : ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فيه وجهان أحدهما : أنه لفظ الظهار ،