فخر الدين الرازي
470
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
واعلم أن نظير هذه الآية قوله : اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ [ الشورى : 17 ] وقال : وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ [ الرحمن : 7 ] وهاهنا مسائل : المسألة الأولى : في وجه المناسبة بين الكتاب والميزان والحديد وجوه . أحدها : وهو الذي أقوله أن مدار التكليف على أمرين : أحدهما : فعل ما ينبغي فعله والثاني : ترك ما ينبغي تركه ، والأول هو المقصود بالذات ، لأن المقصود بالذات لو كان هو الترك لوجب أن لا يخلق أحد ، لأن الترك كان حاصلا في الأزل ، وأما فعل ما ينبغي فعله ، فإما أن يكون متعلقا بالنفس ، وهو المعارف ، أو بالبدن وهو أعمال الجوارح ، فالكتاب هو الذي يتوسل به إلى فعل ما ينبغي من / الأفعال النفسانية ، لأن يتميز الحق من الباطل ، والحجة من الشبهة ، والميزان هو الذي يتوسل به إلى فعل ما ينبغي من الأفعال البدنية ، فإن معظم التكاليف الشاقة في الأعمال هو ما يرجع إلى معاملة الخلق ، والميزان هو الذي يتميز به العدل عن الظلم والزائد عن الناقض ، وأما الجديد ففيه بأس شديد ، وهو زاجر للخلق عما لا ينبغي ، والحاصل أن الكتاب إشارة إلى القوة النظرية ، والميزان إلى القوة العملية ، والحديد إلى دفع مالا ينبغي ، ولما كان أشرف الأقسام رعاية المصالح الروحانية ، ثم رعاية المصالح الجسمانية ، ثم الزجر عما لا ينبغي ، روعي هذا الترتيب في هذه الآية وثانيها : المعاملة إما مع الخالق وطريقها الكتاب أو مع الخلق وهم : إما الأحباب والمعاملة معهم بالسوية وهي بالميزان ، أو مع الأعداء والمعاملة معهم بالسيف والحديد وثالثها : الأقوام ثلاثة : أما السابقون وهم يعاملون الخلق بمقتضى الكتاب ، فينصفون ولا ينتصفون ، ويحترزون عن مواقع الشبهات ، وإما مقتصدون وهم الذين ينصفون وينتصفون ، فلا بد لهم من الميزان ، وإما ظالمون وهم الذين ينتصفون ولا ينصفون ولا بد لهم من الحديد والزجر ورابعها : الإنسان ، إما أن يكون في مقام الحقيقة وهو مقام النفس المطمئنة ومقام المقربين ، فههنا لا يسكن إلا إلى اللَّه ، ولا يعمل إلا بكتاب اللَّه ، كما قال : أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [ الرعد : 28 ] وإما أن يكون في مقام الطريقة وهو مقام النفس اللوامة ، ومقام أصحاب اليمين ، فلا بد له من الميزان في معرفة الأخلاق حتى يحترز عن طرفي الإفراط والتفريط ، ويبقى على الصراط المستقيم وإما أن يكون في مقام الشريعة وهو مقام النفس الأمارة ، وهاهنا لا بد له من هاهنا لا بد له من حديد المجاهدة والرياضيات الشاقة وخامسها : الإنسان إما أن يكون صاحب المكاشفة والوصول فلا أنس له إلا بالكتاب ، أو صاحب الطلب والاستدلال فلا بد له من ميزان الدليل والحجة أو صاحب العناد واللجاج ، فلا بد وأن ينفى من الأرض بالحديد وسادسها : أن الدين هو إما الأصول وإما الفروع ، وبعبارة أخرى : إما المعارف وإما الأعمال ، فالأصول من الكتاب ، وأما الفروع : فالمقصود الأفعال التي فيها عدلهم ومصلحتهم وذلك بالميزان فإنه إشارة إلى رعاية العدل ، والحديد لتأديب من ترك ذينك الطريقين وسابعها : الكتاب إشارة إلى ما ذكر اللَّه في كتابه من الأحكام المقتضية للعدل والإنصاف ، والميزان إشارة إلى حمل الناس على تلك الأحكام المبنية على العدل والإنصاف وهو شأن الملوك ، والحديد إشارة إلى أنهم لو تمردوا لوجب أن يحملوا عليهما بالسيف ، وهذا يدل على أن مرتبة العلماء وهم أرباب الكتاب مقدمة على مرتبة الملوك الذين هم أرباب السيف ، ووجوه المناسبات كثيرة ، وفيما ذكرناه تنبيه على الباقي . المسألة الثانية : ذكروا في : إنزال الميزان وإنزال الحديد ، قولين : الأول : أن اللَّه تعالى أنزلهما من السماء ، روي أن جبريل عليه السلام نزل بالميزان فدفعه إلى نوح ، وقال : مرقومك يزنوا به ، وعن ابن عباس