فخر الدين الرازي
467
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الأولى : هذه الآية دالة على أن جميع الحوادث الأرضية قبل دخولها في الوجود مكتوبة في اللوح المحفوظ . قال المتكلمون : وإنما كتب كل ذلك لوجوه أحدها : تستدل الملائكة بذلك المكتوب على كونه سبحانه وتعالى عالما بجميع الأشياء قبل وقوعها وثانيها : ليعرفوا حكمة اللَّه فإنه تعالى مع علمه بأنهم يقدمون على تلك المعاصي خلقهم ورزقهم وثالثها : ليحذروا من أمثال تلك المعاصي ورابعها : ليشركوا اللَّه تعالى على توفيقه إياهم على الطاعات وعصمته إياهم من المعاصي . وقالت الحكماء : إن الملائكة الذين وصفهم اللَّه بأنهم هم المدبرات أمرا ، وهم المقسمات أمرا ، إنما هي المبادئ لحدوث الحوادث في هذا العالم السفلي بواسطة الحركات الفلكية والاتصالات الكوكبية ، فتصوراتها لانسياق تلك الأسباب إلى المسببات هو المراد من قوله تعالى : إِلَّا فِي كِتابٍ . المسألة الثانية : استدل جمهور أهل التوحيد بهذه الآية على أنه تعالى عالم بالأشياء قبل وقوعها خلافا لهشام بن الحكم ، ووجه الاستدلال أنه تعالى لما كتبها في الكتاب قبل وقوعها وجاءت مطابقة لذلك الكتاب علمنا أنه تعالى عالما بها بأسرها . المسألة الثالثة : قوله : وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ يتناول جميع مصائب الأنفس فيدخل فيها كفرهم ومعاصيهم ، فالآية دالة على أن جميع أعمالهم بتفاصيلها مكتوبة في اللوح المحفوظ ، ومثبتة في علم اللَّه تعالى ، فكان الامتناع من تلك الأعمال محالا ، لأن علم اللَّه بوجودها مناف لعدمها ، والجمع بين المتنافيين محال ، فلما حصل العلم بوجودها ، وهذا العلم ممتنع الزوال كان الجمع بين عدمها وبين علم اللَّه بوجودها محالا . المسألة الرابعة : أنه تعالى لم يقل : إن جميع الحوادث مكتوبة في الكتاب ، لأن حركات أهل الجنة والنار غير متناهية ، فإثباتها في الكتاب محال ، وأيضا خصص ذلك بالأرض والأنفس وما أدخل فيها أحوال السماوات ، وأيضا خصص ذلك بمصائب الأرض والأنفس لا بسعادات الأرض والأنفس ، وفي كل هذه الرموز إشارات وأسرار ، أما قوله : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها فقد اختلفوا فيه ، فقال بعضهم : من قبل أن نخلق هذه المصائب ، وقال بعضهم : بل المراد الأنفس ، وقال آخرون : بل المراد نفس الأرض ، والكل محتمل لأن ذكر الكل قد تقدم ، وإن كان الأقرب نفس المصيبة لأنها هي المقصود ، وقال آخرون : المراد من قبل أن نبرأ المخلوقات ، والمخلوقات وإن لم يتقدم ذكرها إلا أنها لظهورها يجوز عود الضمير إليها كما في قوله : إِنَّا أَنْزَلْناهُ * [ يوسف : 2 ] . ثم قال تعالى : إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ وفيه قولان : أحدهما : إن حفظ ذلك على اللَّه هين ، والثاني : إن إثبات ذلك على كثرته في الكتاب يسير على اللَّه وإن كان عسيرا على العباد ، ونظير هذه الآية قوله : وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [ فاطر : 11 ] . / ثم قال تعالى : [ سورة الحديد ( 57 ) : آية 23 ] لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ( 23 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : هذه اللام تفيد جعل أول الكلام سببا لآخره ، كما تقول : قمت لأضربك فإنه يفيد أن القيام سبب للضرب ، وهاهنا كذلك لأنه تعالى بين أن إخبار اللَّه عن كون هذه الأشياء واقعة بالقضاء والقدر ، ومثبتة في الكتاب الذي لا يتغير يوجب أن لا يشتد فرح الإنسان بما وقع ، وأن لا يشتد حزنه بما لم يقع ، وهذا