فخر الدين الرازي

461

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الباقون وأبو بكر عن عاصم ، وَما نَزَلَ ، مشددة ، وعن أبي عمرو وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ مرتفعة النون مكسورة الزاي ، والتقدير في القراءة الأولى : أن تخشع قلوبهم لذكر اللَّه ولما نزل من الحق ، وفي القراءة الثانية ولما نزله اللَّه من الحق ، وفي القراءة الثالثة ولما نزل من الحق . المسألة الثالثة : يحتمل أن يكون المراد من الحق هو القرآن لأنه جامع للوصفين الذكر والموعظة وإنه حق نازل من السماء ، ويحتمل أن يكون المراد من الذكر هو ذكر اللَّه مطلقا ، والمراد بما نزل من الحق هو القرآن ، وإنما قدم الخشوع بالذكر على الخشوع بما نزل من القرآن ، لأن الخشوع والخوف والخشية لا تحصل إلا عند ذكر اللَّه ، فأما حصولها عند سماع القرآن فذاك لأجل اشتمال القرآن على ذكر اللَّه ، ثم قال تعالى : وَلا يَكُونُوا قال الفراء : هو في موضع نصب معناه : ألم يأن أن تخشع قلوبهم ، وأن لا يكونوا ، قال : ولو كان جزما على النهي كان صوابا ، ويدل على هذا الوجه قراءة من قرأ بالتاء على سبيل الالتفات ، ثم قال : كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ يريد اليهود والنصارى : فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : ذكروا في تفسير طول الأمد وجوها أحدها : طالت المدة بينهم وبين أنبيائهم فقست قلوبهم وثانيها : قال ابن عباس : مالوا إلى الدنيا وأعرضوا عن مواعظ اللَّه وثالثها : طالت أعمارهم في الغفلة فحصلت القسوة في قلوبهم بذلك السبب ورابعها : قال : / ابن حبان : الأمد هاهنا الأمل البعيد ، والمعنى على هذا طال عليهم الأمد بطول الأمل ، أي لما طالت آمالهم لا جرم قست قلوبهم وخامسها : قال مقاتل بن سليمان : طال عليهم أمد خروج النبي عليه السلام وسادسها : طال عهدهم بسماع التوراة والإنجيل فزال وقعهما عن قلوبهم فلا جرم قست قلوبهم ، فكأنه تعالى نهى المؤمنين عن أن يكونوا كذلك ، قاله القرظي . المسألة الثانية : قرئ ( الأمد ) بالتشديد ، أي الوقت الأطول ، ثم قال : وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ أي خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين ، وكأنه إشارة إلى أن عدم الخشوع في أول الأمر يفضي إلى الفسق في آخر الأمر . ثم قال تعالى : [ سورة الحديد ( 57 ) : آية 17 ] اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 17 ) وفيه ووجهان الأول : أنه تمثيل والمعنى أن القلوب التي ماتت بسبب القساوة ، فالمواظبة على الذكر سبب لعود حياة الخشوع إليها كما يحيي اللَّه الأرض بالغيث والثاني : أن المراد من قوله : يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها بعث الأموات فذكر ذلك ترغيبا في الخشوع والخضوع وزجرا عن القساوة . ثم قال تعالى : [ سورة الحديد ( 57 ) : آية 18 ] إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ( 18 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال أبو علي الفارسي : قرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر : إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ بالتخفيف ، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم : إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ بتشديد الصاد فيهما ، فعلى القراءة الأولى يكون معنى المصدق المؤمن ، فيكون المعنى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لأن إقراض اللَّه من الأعمال الصالحة ، ثم قالوا : وهذه القراءة أولى لوجهين الأول : أن من تصدق للَّه وأقرض إذا لم يكن مؤمنا لم يدخل تحت الوعد ، فيصير ظاهر الآية متروكا على قراءة التشديد ، ولا يصير