فخر الدين الرازي

454

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

[ سورة الحديد ( 57 ) : آية 11 ] مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ( 11 ) ثم قال تعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وفيه مسائل : المسألة الأولى : ذكروا أن رجلا من اليهود قال عند نزول هذه الآية ما استقرض إليه محمد حتى افتقر ، فلطمه أبو بكر ، فشكا اليهودي ذلك إلى رسول اللَّه صلى اللّه عليه وسلم فقال له : ما أردت بذلك ؟ فقال : ما ملكت نفسي أن لطمته فنزل قوله تعالى : وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً [ آل عمران : 186 ] قال المحققون : اليهودي إنما قال ذلك على سبيل الاستهزاء ، لا لأن العاقل يعتقد أن الإله يفتقر ، وكذا القول في قولهم : إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ [ آل عمران : 181 ] . المسألة الثانية : أنه تعالى أكد بهذه الآية ترغيب الناس في أن ينفقوا أموالهم في نصرة المسلمين وقتال الكافرين ومواساة فقراء المسلمين ، وسمي ذلك الإنفاق قرضا من حيث وعد به الجنة تشبيها بالقرض . المسألة الثالثة : اختلفوا في المراد من هذا الإنفاق ، فمنهم من قال : المراد الإنفاقات الواجبة ، ومنهم من قال : بل هو في التطوعات ، والأقرب دخول الكل فيه . المسألة الرابعة : ذكروا في كون القرض حسنا وجوها أحدها : قال مقاتل : يعني طيبة بها نفسه وثانيها : قال الكلبي : يعني يتصدق بها لوجه اللَّه وثالثها : قال بعض العلماء : القرض لا يكون حسنا حتى يجمع أوصافا عشرة الأول : أن يكون من الحلال قال عليه الصلاة والسلام : « إن اللَّه طيب لا يقبل إلا الطيب » و قال عليه الصلاة والسلام : « لا يقبل اللَّه صلاة بغير طهور ، ولا صدقة من غلول » والثاني : أن يكون من أكرم ما يملكه دون أن ينفق الرديء ، قال اللَّه تعالى : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ [ البقرة : 267 ] ، الثالث : أن تتصدق به وأنت تحبه وتحتاج إليه بأن ترجو الحياة وهو المراد بقوله تعالى : وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ [ البقرة : 177 ] . وبقول : وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ [ الإنسان : 8 ] على أحد التأويلات وقال عليه الصلاة والسلام : « الصدقة أن تعطي وأنت صحيح شحيح تأمل العيش ، ولا تمهل حتى إذا بلغت التراقي قلت لفلان كذا ولفلان كذا » والرابع : أن تصرف صدقتك إلى الأحوج الأولى بأخذها ، ولذلك خص اللَّه تعالى أقواما بأخذها وهم أهل السهمان الخامس : أن تكتم الصدقة ما أمكنك لأنه تعالى قال : وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [ البقرة : 271 ] ، السادس : أن لا تتبعها منا ولا أذى ، قال تعالى : لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى [ البقرة : 264 ] ، السابع : أن تقصد بها وجه اللَّه ولا ترائي ، كما قال : إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى * وَلَسَوْفَ يَرْضى [ الليل : 20 ، 21 ] ولأن المرائي مذموم بالاتفاق الثامن : أن تستحقر ما تعطي وإن كثر ، لأن ذلك قليل من الدنيا ، والدنيا كلها قليلة ، وهذا هو المراد من قوله تعالى : وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [ المدثر : 6 ] في أحد التأويلات التاسع : أن يكون من أحب أموالك إليك ، قال تعالى : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [ آل عمران : 92 ] العاشر : أن لا ترى عز نفسك وذل الفقير ، بل يكون الأمر بالعكس في نظرك ، فترى الفقير كأن اللَّه تعالى أحال عليك رزقه الذي قبله بقوله : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [ هود : 6 ] وترى نفسك تحت دين الفقير ، فهذه أوصاف عشرة إذا اجتمعت كانت الصدقة قرضا حسنا ، وهذه الآية مفسرة في سورة البقرة . ثم إنه تعالى قال : فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ وفيه مسألتان :