فخر الدين الرازي

442

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

تلك الماهيات عن ذلك التسبيح ، وإنما قلنا : إن هذه المسبحية صفة لازمة لماهياتها ، لأن كل ما عدا الواجب ممكن ، وكل ممكن فهو مفتقر إلى الواجب ، وكون الواجب واجبا يقتضي تنزيهه عن كل سوء في الذات والصفات والأفعال والأحكام والأسماء على ما بيناه ، فظهر أن هذه المسبحية كانت حاصلة في الماضي ، وتكون حاصلة في المستقبل ، واللَّه أعلم . المسألة الثالثة : هذا الفعل تارة عدي باللام كما في هذه السورة ، وأخرى بنفسه كما في قوله : وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [ الفتح : 9 ] وأصله التعدي بنفسه ، لأن معنى سبحته أي بعدته عن السوء ، فاللام إما أن تكون مثل اللام في نصحته ونصحت له ، وإما أن يراد يسبح للَّه أحدث التسبيح لأجل اللَّه وخالصا لوجهه . المسألة الرابعة : زعم الزجاج أن المراد بهذا التسبيح ، التسبيح الذي هو القول ، واحتج عليه بوجهين الأول : أنه تعالى قال : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ الإسراء : 44 ] فلو كان المراد من التسبيح ، هو دلالة آثار الصنع على الصانع لكانوا يفقهونه الثاني : أنه تعالى قال : وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ [ الأنبياء : 79 ] فلو كان تسبيحا عبارة عن دلالة الصنع على الصانع لما كان في ذلك تخصيص لداود عليه السلام . واعلم أن هذا الكلام ضعيف [ لحجتين ] : أما الأولى : فلأن دلالة هذه الأجسام على تنزيه ذات اللَّه وصفاته وأفعاله من أدق الوجوه ، ولذلك فإن العقلاء اختلفوا فيها ، فقوله : وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ لعله إشارة إلى أقوام جهلوا بهذه الدلالة ، وأيضا فقوله : لا تَفْقَهُونَ إشارة إن لم يكن إشارة إلى جمع معين ، فهو خطاب مع الكل فكأنه قال : كل هؤلاء ما فقهوا ذلك ، وذلك لا ينافي أن يفقهه بعضهم . وأما الحجة الثانية : فضعيفة ، لأن هناك من المحتمل أن اللَّه خلق حياة في الجبل حتى نطق بالتسبيح . أما هذه الجمادات التي تعلم بالضرورة أنها جمادات يستحيل أن يقال : إنها تسبح اللَّه على سبيل النطق بذلك التسبيح ، إذ لو جوزنا صدور الفعل المحكم عن الجمادات لما أمكننا أن نستدل بأفعال اللّه تعالى على كونه عالما حيا ، وذلك كفر ، بل الحق أن التسبيح الذي هو القول لا يصدر إلا من العاقل العارف باللَّه تعالى ، فينوي بذلك القول تنزيه ربه سبحانه ، ومثل ذلك لا يصح من الجمادات ، فإذا التسبيح العام الحاصل من العاقل والجماد لا بد وأن يكون مفسرا بأحد وجهين الأول : أنها تسبح بمعنى أنها تدل على تعظيمه وتنزيهه والثاني : أن الممكنات بأسرها منقادة له يتصرف فيها كيف يريد ليس له عن فعله وتكوينه مانع ولا دافع ، إذا عرفت هذه المقدمة ، . فنقول : إن حملنا / التسبيح المذكور في الآية على التسبيح بالقول ، كان المراد بقوله : ما فِي السَّماواتِ من في السماوات ومنهم حملة العرش : فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ [ فصلت : 38 ] . ومنهم المقربون : قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ [ سبأ : 41 ] ومن سائر الملائكة : قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا [ الفرقان : 18 ] وأما المسبحون الذين هم في الأرض فمنهم الأنبياء كما قال ذو النون : لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ [ الأنبياء : 87 ] وقال موسى : سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ [ الأعراف : 143 ] والصحابة يسبحون كما قال : سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ [ آل عمران : 191 ] وأما إن حملنا هذا التسبيح على التسبيح المعنوي : فأجزاء السماوات وذرات الأرض والجبال والرمال والبحار والشجر والدواب والجنة والنار والعرش والكرسي واللوح والقلم والنور والظلمة والذوات والصفات والأجسام والأعراض كلها مسبحة خاشعة خاضعة لجلال اللَّه