فخر الدين الرازي
279
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ومسبب الأسباب ، وعلى هذا القول الكاف أحسن موقعا ، أما على قولنا : إن الخطاب عام فهو تهديد بليغ للمسيء وحث شديد للمحسن ، لأن قوله : أيها السامع كائنا من كان إلى ربك المنتهى يفيد الأمرين إفادة بالغة حد الكمال ، وأما على قولنا : الخطاب مع النبي صلى اللّه عليه وسلم فهو تسلية لقلبه كأنه يقول : لا تحزن فإن المنتهى إلى اللّه فيكون كقوله تعالى : فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إلى أن قال تعالى في آخر السورة : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [ يس : 76 - 83 ] وأمثاله كثيرة في القرآن . المسألة الثالثة : اللام على الوجه الأول للعهد لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يقول : أبدا إن مرجعكم إلى اللّه فقال : وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى الموعود المذكور في القرآن وكلام النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وعلى الوجه الثاني للعموم أي إلى الرب كل منتهى وهو مبدأ ، وعلى هذا الوجه نقول : منتهى الإدراكات المدركات ، فإن الإنسان أولا يدرك الأشياء الظاهرة ثم يمعن النظر فينتهي إلى اللّه فيقف عنده ثم قال تعالى : [ سورة النجم ( 53 ) : آية 43 ] وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى ( 43 ) وفيه مسائل : الأولى : على قولنا : إليه المنتهى المراد منه إثبات الوحدانية ، هذه الآيات مثبتات لمسائل يتوقف عليها الإسلام من جملتها قدرة اللّه تعالى ، فإن من الفلاسفة من يعترف بأن اللّه المنتهى وأنه واحد لكن يقول : هو موجب لا قادر ، فقال تعالى : هو أوجد ضدين الضحك والبكاء في محل واحد والموت والحياة والذكورة والأنوثة في مادة واحدة ، وإن ذلك لا يكون إلا من قادر واعترف به كل عاقل ، وعلى قولنا : إن قوله تعالى : وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [ النجم : 42 ] بيان المعاد فهو إشارة إلى بيان أمره فهو كما يكون في بعضها ضاحكا فرحا وفي بعضها باكيا محزونا كذلك يفعل به في الآخرة . المسألة الثانية : أَضْحَكَ وَأَبْكى لا مفعول لهما في هذا الموضع لأنهما مسوقتان لقدرة اللّه لا لبيان المقدور ، فلا حاجة إلى المفعول . يقول القائل : فلان بيده الأخذ والعطاء يعطي ويمنع ولا يريد ممنوعا ومعطى . المسألة الثالثة : اختار هذين الوصفين للذكر والأنثى لأنهما أمران لا يعللان فلا يقدر أحد من الطبيعيين أن يبدي في اختصاص الإنسان بالضحك والبكاء وجها وسببا ، وإذا لم يعلل بأمر ولا بد له من موجد فهو اللّه تعالى ، بخلاف الصحة والسقم فإنهم يقولون : سببهما اختلال المزاج وخروجه عن الاعتدال ، ويدلك على هذا أنهم إذا ذكروا في الضحك أمرا له الضحك قالوا : قوة التعجب وهو في غاية البطلان لأن الإنسان ربما يبهت عند رؤية الأمور العجيبة ولا يضحك ، وقيل : قوة الفرح ، وليس كذلك لأن الإنسان يفرح كثيرا ولا يضحك ، والحزين الذي عند غاية الحزن يضحكه المضحك ، وكذلك الأمر في البكاء ، وإن قيل لأكثرهم علما بالأمور التي يدعيها الطبيعيون إن خروج الدمع من العين عند أمور مخصوصة لما ذا ؟ لا يقدر على تعليل صحيح ، وعند الخواص كالتي في المغناطيس وغيرها ينقطع الطبيعي ، كما أن عند أوضاع الكواكب ينقطع هو والمهندس الذي لا يفوض أمره إلى قدرة اللّه تعالى وإرادته ثم قال تعالى : [ سورة النجم ( 53 ) : آية 44 ] وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا ( 44 )