فخر الدين الرازي

423

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

مخافة العطش ، فلما ذكر المأكول أولا وأتمه بذكر المشروب ثانيا قال : فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ على هذه النعمة التامة . ثم قال تعالى : [ سورة الواقعة ( 56 ) : آية 71 ] أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ( 71 ) أي : تقدمون . [ سورة الواقعة ( 56 ) : آية 72 ] أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ ( 72 ) وفي شجرة النار وجوه أحدها : أنها الشجرة التي تورى النار منها بالزند والزندة كالمرخ وثانيهما : الشجرة التي تصلح لإيقاد النار كالحطب فإنها لو لم تكن لم يسهل إيقاد النار ، لأن النار لا تتعلق بكل شيء كما تتعلق بالحطب وثالثها : أصول شعلها ووقود شجرتها ولولا كونها ذات شعل لما صلحت لإنضاج الأشياء والباقي ظاهر . [ سورة الواقعة ( 56 ) : آية 73 ] نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ ( 73 ) في قوله : تَذْكِرَةً وجهان أحدهما : تذكرة لنار القيامة فيجب على العاقل أن يخشى اللَّه تعالى وعذابه إذا رأى النار الموقدة وثانيهما : تذكرة بصحة البعث ، لأن من قدر على إيداع النار في الشجر الأخضر لا يعجز عن إيداع الحرارة الغريزية في بدن الميت وقد ذكرناه في تفسير قوله تعالى : الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً [ يس : 80 ] والمقوى : هو الذي أوقده فقواه وزاده وفيه لطيفة : وهو أنه تعالى قدم كونها تذكرة على كونها متاعا ليعلم أن الفائدة الأخروية أتم وبالذكر أهم . ثم قال تعالى : [ سورة الواقعة ( 56 ) : آية 74 ] فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ( 74 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : في وجه تعلقه بما قبله ؟ نقول : لما ذكر اللَّه تعالى حال المكذبين بالحشر والوحدانية ذكر الدليل عليهما بالخلق والرزق ولم يفدهم الإيمان قال لنبيه صلى اللَّه عليه وسلم : / أن وظيفتك أن تكمل في نفسك وهو علمك بربك وعملك لربك : فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ وقد ذكرنا ذلك في قوله تعالى : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ * [ طه : 130 ] وفي موضع آخر . المسألة الثانية : التسبيح التنزيه عما لا يليق به فما فائدة ذكر الاسم ولم يقل : فسبح بربك العظيم ؟ فنقول الجواب عنه من وجهين أحدهما : هو المشهور وهو أن الاسم مقحم ، وعلى هذا الجواب فنقول : فيه فائدة زيادة التعظيم ، لأن من عظم عظيما وبالغ في تعظيمه لم يذكر اسمه إلا وعظمه ، فلا يذكر اسمه في موضع وضيع ولا على وجه الاتفاق كيفما اتفق ، وذلك لأن من يعظم شخصا عند حضوره ربما لا يعظمه عند غيبته فيذكره باسم علمه ، فإن كان بمحضر منه لا يقول ذلك ، فإذا عظم عنده لا يذكره في حضوره وغيبته إلا بأوصاف العظمة ، فإن قيل : فعلى هذا فما فائدة الباء وكيف صار ذلك ، ولم يقل : فسبح اسم ربك العظيم ، أو الرب العظيم ، نقول : قد تقدم مرارا أن الفعل إذا كان تعلقه بالمفعول ظاهرا غاية الظهور لا يتعدى إليه بحرف فلا يقال : ضربت بزيد بمعنى ضربت زيدا ، وإذا كان في غاية الخفاء لا يتعدى إليه إلا بحرف فلا يقال : ذهبت زيدا بمعنى ذهبت بزيد ، وإذا كان بينهما جاز الوجهان فنقول : سبحته وسبحت به وشكرته وشكرت له ، إذا ثبت هذا فنقول : لما علق