فخر الدين الرازي
413
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
معناه : أو يقولوا : آباؤنا الأولون ، إشارة إلى أنهم في الإشكال أعظم ، ثم إن اللّه تعالى أجابهم ورد عليهم في الجواب في كل مبالغة بمبالغة أخرى فقال : [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 49 إلى 50 ] قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ( 49 ) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ( 50 ) فقوله : قُلْ إشارة إلى أن الأمر في غاية الظهور ، وذلك أن في الرسالة أسرارا لا تقال إلا للأبرار ، ومن جملتها تعيين وقت القيامة لأن العوام لو علموا لاتّكلوا والأنبياء ربما اطلعوا على علاماتها أكثر مما بينوا وربما بينوا للأكابر من الصحابة علامات على ما نبين ففيه وجوه أولها : قوله : قُلْ يعني أن هذا من جملة الأمور التي بلغت في الظهور إلى حد يشترك فيه العوام والخواص ، فقال : قل قولا عاما وهكذا في كل موضع ، قال : قل كان الأمر ظاهرا ، قال اللّه تعالى : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [ الصمد : 1 ] وقال : قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ * [ الكهف : 110 ] وقال : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : 85 ] أي هذا هو الظاهر من أمر الروح وغيره خفي ثانيها : قوله تعالى : إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ بتقديم الأولين على الآخرين في جواب قولهم : أَ وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ [ الواقعة : 48 ] فإنهم أخروا ذكر الآباء لكون الاستبعاد فيهم أكثر ، فقال إن الأولين الذين تستبعدون بعثهم وتؤخرونهم يبعثهم اللّه في أمر مقدم على الآخرين ، يتبين منه إثبات / حال من أخرتموه مستبعدين ، إشارة إلى كون الأمر هينا ثالثها : قوله تعالى : لَمَجْمُوعُونَ فإنهم أنكروا قوله : لَمَبْعُوثُونَ فقال : هو واقع مع أمر زائد ، وهو أنهم يحشرون ويجمعون في عرصة الحساب ، وهذا فوق البعث ، فإن من بقي تحت التراب مدة طويلة ثم حشر ربما لا يكون له قدرة على الحركة ، وكيف لو كان حيا محبوسا في قبره مدة لتعذرت عليه الحركة ، ثم إنه تعالى بقدرته يحركه بأسرع حركة ويجمعه بأقوى سير ، وقوله تعالى : لَمَجْمُوعُونَ فوق قول القائل : مجموعون كما قلنا : إن قول قول القائل : إنه يموت في إفادة التوكيد دون قوله : إنه ميت رابعها : قوله تعالى : إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ فإنه يدل على أن اللّه تعالى يجمعهم في يوم واحد معلوم ، واجتماع عدد من الأموات لا يعلم عددهم إلا اللّه تعالى في وقت واحد أعجب من نفس البعث وهذا كقوله تعالى في سورة والصافات : فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ * [ الصافات : 19 ] أي أنتم تستبعدون نفس البعث ، والأعجب من هذا أنه يبعثهم بزجرة واحدة أي صيحة واحدة : فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ أي يبعثون مع زيادة أمر ، وهو فتح أعينهم ونظرهم ، بخلاف من نعس فإنه إذا انتبه يبقى ساعة ثم ينظر في الأشياء ، فأمر الإحياء عند اللّه تعالى أهون من تنبيه نائم خامسها : حرف ( إلى ) أدل على البعث من اللام ، ولنذكر هذا في جواب سؤال هو أن اللّه تعالى قال : يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ [ التغابن : 9 ] وقال هنا : لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ولم يقل : لميقاتنا وقال : وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا [ الأعراف : 143 ] نقول : لما كان ذكر الجمع جوابا للمنكرين المستبعدين ذكر كلمة ( إلى ) الدالة على التحرك والانتقال لتكون أدل على فعل غير البعث ولا يجمع هناك قال : يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ولا يفهم النشور من نفس الحرف وإن كان يفهم من الكلام ، ولهذا قال هاهنا : لَمَجْمُوعُونَ بلفظ التأكيد ، وقال هناك : يَجْمَعُكُمْ وقال هاهنا : إِلى مِيقاتِ وهو مصير الوقت إليه ، وأما قوله تعالى : وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا فنقول : الموضع هناك لم يكن مطلوب موسى عليه السلام ، وإنما كان مطلوبه الحضور ، لأن من وقت له وقت وعين له موضع كانت حركته في الحقيقة لأمر بالتبع إلى أمر ، وأما هناك فالأمر الأعظم