فخر الدين الرازي

406

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

كثير وذلك الماء عند العرب عزيز لا يسكب ، بل يحفظ ويشرب ، فإذا ذكروا النعم يعدون كثرة الماء ويعبرون عن كثرتها بإراقتها وسكبها ، والأول أصح . ثم قال تعالى : [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 32 إلى 33 ] وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ( 32 ) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ ( 33 ) لما ذكر الأشجار التي يطلب منها ورقها ذكر بعدها الأشجار التي يقصد ثمرها ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : ما الحكمة في تقديم الأشجار المورقة على غير المورقة ؟ نقول : هي ظاهرة ، وهو أنه قدم الورق على الشجر على طريقة الارتقاء من نعمة إلى ذكر نعمة فوقها ، والفواكه أتم نعمة . المسألة الثانية : ما الحكمة في ذكر الأشجار المورقة بأنفسها ، وذكر أشجار الفواكه بثمارها ؟ نقول : هي أيضا ظاهرة ، فإن الأوراق حسنها عند كونها على الشجر ، وأما الثمار فهي في أنفسها مطلوبة سواء كانت عليها أو مقطوعة ، ولهذا صارت الفواكه لها أسماء بها تعرف أشجارها ، فيقال : شجر التين وورقه . المسألة الثالثة : ما الحكمة في وصف الفاكهة بالكثرة ، لا بالطيب واللذة ؟ نقول : قد بينا في سورة الرحمن أن الفاكهة فاعلة كالراضية في قوله : فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ * [ الحاقة : 21 ] أي ذات فكهة ، وهي لا تكون بالطبيعة إلا بالطيب واللذة ، وأما الكثرة ، فبينا أن اللّه تعالى حيث ذكر الفاكهة ذكر ما يدل على الكثرة ، لأنها ليست لدفع الحاجة حتى تكون بقدر الحاجة ، بل هي للتنعم ، فوصفها بالكثرة والتنوع . المسألة الرابعة : لا مَقْطُوعَةٍ أي ليست كفواكه الدنيا ، فإنها تنقطع في أكثر الأوقات والأزمان ، وفي كثير من المواضع والأماكن وَلا مَمْنُوعَةٍ أي لا تمنع من الناس لطلب الأعواض والأثمان ، والممنوع من الناس لطلب الأعواض والأثمان ظاهر في الحس ، لأن الفاكهة في الدنيا تمنع عن البعض فهي ممنوعة ، وفي الآخرة ليست ممنوعة . وأما القطع فيقال في الدنيا : إنها انقطعت فهي منقطعة لا مقطوعة ، فقوله تعالى : لا مَقْطُوعَةٍ في غاية الحسن ، لأن فيه إشارة إلى دليل عدم القطع ، كما أن في : لا مَمْنُوعَةٍ دليلا على عدم المنع ، وبيانه هو أن الفاكهة في الدنيا لا تمنع إلا لطلب العوض ، وحاجة صاحبها إلى ثمنها لدفع حاجة به ، وفي الآخرة مالكها اللّه تعالى ولا حاجة له ، فلزم أن لا تمنع الفاكهة من أحد كالذي له فاكهة كثيرة ، ولا يأكل ولا يبيع ، ولا يحتاج إليها بوجه من الوجوه لا شك في أن يفرقها ولا يمنعها من أحد . وأما الانقطاع فنقول الذي يقال في الدنيا : الفاكهة انقطعت ، ولا يقال عند وجودها : امتنعت ، بل يقال : منعت ، وذلك لأن الإنسان لا يتكلم إلا بما يفهمه الصغير والكبير ، ولكن كل أحد إذا نظر إلى الفاكهة زمان وجودها يرى أحدا يحوزها ويحفظها ولا يراها بنفسها تمتنع فيقول : إنها ممنوعة ، وأما عند انقطاعها وفقدها لا يرى أحدا قطعها حسا وأعدمها فيظنها منقطعة بنفسها لعدم إحساسه بالقاطع ووجود إحساسه بالمانع ، فقال تعالى : لو نظرتم في الدنيا حق النظر علمتم أن كل زمان نظرا إلى كونه ليلا ونهارا ممكن فيه الفاكهة فهي بنفسها لا تنقطع ، وإنما لا توجد عند المحقق لقطع اللّه إياها وتخصيصها بزمان دون زمان ، وعند غير المحقق لبرد الزمان وحره ، وكونه محتاجا إلى الظهور والنمو والزهر ولذلك تجري العادة بأزمنة فهي يقطعها الزمان في نظر غير المحقق فإذا كانت الجنة