فخر الدين الرازي

403

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

قبله : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ * [ الزخرف : 87 ] وقال من قبل : قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ [ الزخرف : 81 ] وكان هو المخاطب أولا ، إذا تحقق هذا ؟ نقول : إذا تفكرت في استعمال لفظ القيل في القرآن ترى ما ذكرنا ملحوظا مراعى ، فقال هاهنا : إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً لعدم اختصاص هذا القول بقائل دون قائل فيسمع هذا القول دائما من الملائكة والناس كما قال تعالى : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ * سَلامٌ [ الرعد : 23 ، 24 ] وقال تعالى : سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [ يس : 58 ] حيث كان المسلم منفردا ، وهو اللَّه كأنه قال : سلام قولا منا ، وقال تعالى : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً [ فصلت : 33 ] وقال : هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا [ المزمل : 6 ] لأن الداعي معين وهم الرسل ومن اتبعهم من الأمة وكل من قام ليلا فإن قوله : قويم ، ونهجه مستقيم ، وقال تعالى : وَقِيلِهِ يا رَبِّ [ الزخرف : 88 ] لأن كل أحد يقول : إنهم لا يؤمنون . أما هم فلاعترافهم ولإقرارهم وأما غيرهم فلكفرانهم بإسرافهم وإصرارهم ، ويؤيد ما ذكرنا أنه تعالى قال : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً والاستثناء المتصل يقرب إلى المعنى بالنسبة إلى غيره وهو قول لا يعرف قائله ، فقال : إِلَّا قِيلًا وهو سلام عليك ، وأما قول من يعرف وهو اللَّه فهو الأبعد عن اللغو غاية البعد وبينهما نهاية الخلاف فقال : سَلامٌ قَوْلًا [ يس : 58 ] . المسألة السادسة : ( سلام ) ، فيه ثلاثة أوجه أحدها : أنه صفة وصف اللَّه تعالى بها قِيلًا كما يوصف الشيء بالمصدر حيث يقال : رجل عدل ، وقوم صوم ، ومعناه إلا قيلا سالما عن العيوب ، وثانيها : هو مصدر تقديره ، إلا أن يقولوا سلاما وثالثها : هو بدل من قِيلًا ، تقديره : إلا سلاما . المسألة السابعة : تكرير السلام هل فيه فائدة ؟ نقول : فيه إشارة إلى تمام النعمة ، وذلك لأن أثر السلام في الدنيا لا يتم إلا بالتسليم ورد السلام ، فكما أن أحد المتلاقيين في الدنيا يقول للآخر : السلام عليك ، فيقول الآخر : وعليك السلام ، فكذلك في الآخرة يقولون : سَلاماً سَلاماً ثم إنه تعالى لما قال : سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [ يس : 58 ] لم يكن له رد لأن تسليم اللَّه على عبده مؤمن له ، فأما اللَّه تعالى فهو منزه عن أن يؤمنه أحد ، بل الرد إن كان فهو قول المؤمن : سلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين . المسألة الثامنة : ما الفرق بين قوله تعالى : سَلاماً سَلاماً بنصبهما ، وبين قوله تعالى : قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ * [ هود : 69 ] قلنا : قد ذكرنا هناك أن قوله : سَلامٌ عَلَيْكَ أتم وأبلغ من قولهم سلاما عليك فإبراهيم عليه السلام أراد أن يتفضل عليهم بالذكر ويجيبهم بأحسن ما حيوا ، وأما هنا فلا يتفضل أحد من أهل الجنة على الآخر مثل التفضل في تلك الصورة إذ هم من جنس واحد ، وهم المؤمنون ولا ينسب أحد إلى أحد تقصيرا . المسألة التاسعة : إذا كان قول القائل : سَلامٌ عَلَيْكَ أتم وأبلغ فما بال القراءة المشهورة / صارت بالنصب ، ومن قرأ ( سلام ) ليس مثل الذي قرأ بالنصب ، نقول ذلك من حيث اللفظ والمعنى ، أما اللفظ فلأنه يستثنى من المسموع وهو مفعول منصوب ، فالنصب بقوله : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وأما المعنى فلأنا بينا أن الاستثناء متصل ، وقولهم : سَلامٌ أبعد من اللغو من قولهم : سَلاماً فقال : إِلَّا قِيلًا سَلاماً ليكون أقرب إلى اللغو من غيره ، وإن كان في نفسه بعيدا عنه . ثم قال تعالى : [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 27 إلى 29 ] وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ ( 27 ) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ( 28 ) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ ( 29 )