فخر الدين الرازي
400
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وإن كان دليلا على القرب وعلو المنزلة لكنه في مقابلة قوله : لَفِي سِجِّينٍ [ المطففين : 7 ] فقوله تعالى في حقهم : يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ مع قوله تعالى : وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً [ الإنسان : 21 ] يدل على أن المراد منه القرب الذي يكون لجلساء الملك عند الملك ، وقوله في حق الملائكة في تلك السورة : يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ [ المطففين : 21 ] يدل على أن المراد منه القرب الذي يكون للكتاب والحساب عند الملك لما أنه في الدنيا يحسد أحدهما الآخر ، فإن الكاتب إن كان قربه من الملك بسبب الخدمة لا يختار قرب الكتاب والحساب ، بل قرب النديم ، ثم إنه بين ذلك النوع من القرب وبين القرب الذي بسبب الكتابة ما يحمله على أن يختار غيره ، وفي سورة المطففين قوله : لَمَحْجُوبُونَ يدل على أن المقربين غير محجوبين عن النظر إلى اللّه تعالى ، وينبغي أن لا ينظر إلى اللّه قولنا : جلساء الملك في ظاهر النظر الذي يقتضي في نظر القوم الجهة وإلى القرب الذي يفهم العامي منه المكان إلا بنظر العلماء الأخبار الحكماء الأخبار . المسألة الثالثة : قالوا قوله تعالى : بِما كانُوا يَعْمَلُونَ يدل على أن العمل عملهم وحاصل بفعلهم ، نقول : لا نزاع في أن العلم في الحقيقة اللغوية وضع للفعل والمجنون للذي لا عقل له والعاقل للذي بلغ الكمال فيه ، وذلك ليس إلا بوضع اللغة لما يدرك بالحس ، وكل أحد يرى / الحركة من الجسمين فيقول : تحرك وسكن على سبيل الحقيقة ، كما يقول : تدور الرحا ويصعد الحجر ، وإنما الكلام في القدرة التي بها الفعل في المحل المرئي ، وذلك خارج عن وضع اللغة . ثم قال تعالى : [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 25 إلى 26 ] لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً ( 25 ) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً ( 26 ) المسألة الأولى : ما الحكمة في تأخير ذكره عن الجزاء مع أنه من النعم العظيمة ؟ نقول فيه لطائف الأولى : أن هذا من أتم النعم ، فجعلها من باب الزيادة التي منها الرؤية عند البعض ولا مقابل لها من الأعمال ، وإنما قلنا : إنها من أتم النعم ، لأنها نعمة سماع كلام اللّه تعالى على ما سنبين أن المراد من قوله : سَلاماً هو ما قال في سورة يس : سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [ يس : 58 ] فلم يذكرها فيما جعله جزاء ، وهذا على قولنا : أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [ الواقعة : 11 ] ليس فيه دلالة على الرؤية الثانية : أنه تعالى بدأ بأتم النعم وهي نعمة الرؤيا ، وهي الرؤية بالنظر كما مر وختم بمثلها ، وهي نعمة المخاطبة الثالثة : هي أنه تعالى لما ذكر النعم الفعلية وقابلها بأعمالهم حيث قال : جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [ الواقعة : 24 ] ذكر النعم القولية في مقابلة أذكارهم الحسنة ولم يذكروا اللذات العقلية التي في مقابلة أعمال قلوبهم من إخلاصهم واعتقادهم ، لأن العمل القلبي لم ير ولم يسمع ، فما يعطيهم اللّه تعالى من النعمة تكون نعمة لم ترها عين ولا سمعتها أذن ، وإليه الإشارة بقوله صلى اللّه عليه وسلم فيها : « مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » و قوله عليه السلام : « ولا خطر » إشارة إلى الزيادة ، والذي يدل على النعمة القولية في مقابلة قولهم الطيب قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا إلى قوله : نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [ فصلت : 30 - 32 ] . المسألة الثانية : قوله تعالى : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً نفي للمكروه لما أن اللغو كلام غير