فخر الدين الرازي
391
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ [ الواقعة : 88 ] أي إن كان فردا منهم فجعل موضعه غير معرف / مع جواز أن يكون الشخص معرفا وموضعه غير معرف ، كما قال تعالى : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * [ الذاريات : 15 ] و إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ [ القمر : 54 ] وبالعكس أيضا ، وأما المعنوي : فنقول : عند ذكر الجمع جمع الجنات في سائر المواضع فقال تعالى : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ * وقال تعالى : أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ [ الواقعة : 11 ، 12 ] لكن السابقون نوع من المتقين ، وفي المتقين غير السابقين أيضا ، ثم إن السابقين لهم منازل ليس فوقها منازل ، فهي صارت معروفة لكونها في غاية العلو أو لأنها لا أحد فوقها ، وأما باقي المتقين فلكل واحد مرتبة وفوقها مرتبة فهم في جنات متناسبة في المنزلة لا يجمعها صقع واحد لاختلاف منازلهم ، وجنات السابقين على حد واحد في علي عليين يعرفها كل أحد ، وأما الواحد منهم فإن منزلته بين المنازل ، ولا يعرف كل أحد أنه لفلان السابق فلم يعرفها ، وأما منازلهم فيعرفها كل أحد ، ويعلم أنها للسابقين ، ولم يعرف الذي للمتقين على وجه كذا . المسألة الثانية : إضافة الجنة إلى النعيم من أي الأنواع ؟ نقول : إضافة المكان إلى ما يقع في المكان يقال : دار الضيافة ، ودار الدعوة ، ودار العدل ، فكذلك جنة النعيم ، وفائدتها أن الجنة في الدنيا قد تكون للنعيم ، وقد تكون للاشتغال والتعيش بأثمان ثمارها ، بخلاف الجنة في الآخرة فإنها للنعيم لا غير . المسألة الثالثة : فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ، يحتمل أن يكون خبرا بعد خبر ، ويحتمل أن يكون خبرا واحدا ، أما الأول فتقديره : أولئك المقربون كائنون في جنات ، كقوله : ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [ البروج : 16 ] ، وأما الثاني فتقديرهم المقربون في الجنات من اللّه كما يقال : هو المختار عند الملك في هذه البلدة ، وعلى الوجه الأول فائدته بيان تنعيم جسمهم ، وكرامة نفسهم فهم مقربون عند اللّه فهم في غاية اللذة وفي جنات ، فجسمهم في غاية النعيم ، بخلاف المقربين عند الملوك ، فإنهم يلتذون بالقرب لكن لا يكون لجسمهم راحة ، بل يكونون في تعب من الوقوف وقضاء الأشغال ، ولهذا قال : فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ولم يقتصر على جنات ، وعلى الوجه الثاني فائدته التمييز عن الملائكة ، فإن المقربين في يومنا هذا في السماوات هم الملائكة والسابقون المقربون في الجنة فيكون المقربون في غيرها هم الملائكة وفيه لطيفة : وهي أن قرب الملائكة قرب الخواص عند الملك الذين هم للأشغال ، فهم ليسوا في نعيم ، وإن كانوا في لذة عظيمة ولا يزالون مشفقين قائمين بباب اللّه يرد عليهم الأمر ولا يرتفع عنهم التكليف ، والسابقون لهم قرب عند اللّه ، كما يكون لجلساء الملوك ، فهم لا يكون بيدهم شغل ولا يرد عليهم أمر ، فيلتذون بالقرب ، ويتنعمون بالراحة . ثم قال تعالى : [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 13 إلى 14 ] ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ( 13 ) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ ( 14 ) وهذا خبر بعد خبر ، وفيه مسائل . المسألة الأولى : قد ذكرت أن قوله : وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [ الواقعة : 10 ] جملة ، وإنما كان الخبر عين المبتدأ لظهور حالهم أو لخفاء أمرهم على غيرهم ، فكيف جاء خبر بعده ؟ نقول : ذلك المقصود قد أفاد ذكر خبر آخر لمقصود آخر ، كما أن واحدا يقول : زيد لا يخفى عليك حاله إشارة إلى كونه من المشهورين ثم يشرع