فخر الدين الرازي

389

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

دليلا على أن سكوته على المبتدأ لم يكن لظهور الأمر بل لخفائه وغرابته ، وهذا وجه بليغ ، وفيه وجه ظاهر وهو أن يقال : معناه أنه جملة واحدة استفهامية كأنه قال : وأصحاب الميمنة ما هم ؟ على سبيل الاستفهام غير أنه أقام المظهر مقام المضمر وقال : فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ والإتيان بالمظهر إشارة إلى تعظيم أمرهم حيث ذكرهم ظاهرا مرتين وكذلك القول في قوله تعالى : وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وكذلك في قوله : الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ [ الحاقة : 1 ، 2 ] وفي قوله : الْقارِعَةُ * مَا الْقارِعَةُ [ القارعة : 1 ، 2 ] . المسألة السابعة : ما الحكمة في اختيار لفظ الْمَشْئَمَةِ في مقابلة الْمَيْمَنَةِ ، مع أنه قال في بيان أحوالهم : وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ ؟ نقول : اليمين وضع للجانب المعروف أولا ثم تفاءلوا به واستعملوا منه ألفاظا في مواضع وقالوا : هذا ميمون وقالوا : أيمن به ووضعوا للجانب المقابل / له اليسار من الشيء اليسير إشارة إلى ضعفه ، فصار في مقابلة اليمين كيفما يدور فيقال : في مقابلة اليمنى اليسرى ، وفي مقابلة الأيمن الأيسر ، وفي مقابلة الميمنة الميسرة ، ولا تستعمل الشمال كما تستعمل اليمين ، فلا يقال : الأشمل ولا المشملة ، وتستعمل المشأمة كما تستعمل الميمنة ، فلا يقال : في مقابلة اليمين لفظ من باب الشؤم ، وأما الشآم فليس في مقابلة اليمين بل في مقابلة يمان ، إذا علم هذا فنقول : بعد ما قالوا باليمين لم يتركوه واقتصروا على استعمال لفظ اليمين في الجانب المعروف من الآدمي ، ولفظ الشمال في مقابلته وحدث لهم لفظان آخران فيه أحدهما : الشمال وذلك لأنهم نظروا إلى الكواكب من السماء وجعلوا ممرها وجه الإنسان وجعلوا السماء جانبين وجعلوا أحدهما أقوى كما رأوا في الإنسان ، فسموا الأقوى بالجنوب لقوة الجانب كما يقال : غضوب ورؤوف ، ثم رأوا في مقابلة الجنوب جانبا آخر شمل ذلك الجانب عمارة العالم فسموه شمالا واللفظ الآخر : المشأمة والأشأم في مقابلة الميمنة والأيمن ، وذلك لأنهم لما أخذوا من اليمين اليمن وغيره للتفاؤل وضعوا الشؤم في مقابلته لا في أعضائهم وجوانبهم تكرها لجعل جانب من جوانب نفسه شؤما ، ولما وضعوا ذلك واستمر الأمر عليه نقلوا اليمين من الجانب إلى غيره ، فاللَّه تعالى ذكر الكفار بلفظين مختلفين فقال : وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَأَصْحابُ الشِّمالِ [ الواقعة : 41 ] وترك لفظ الميسرة واليسار الدال على هون الأمر ، فقال هاهنا : وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ بأفظع الاسمين ، ولهذا قالوا في العساكر : الميمنة والميسرة اجتنابا من لفظ الشؤم . ثم قال تعالى : [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 10 إلى 11 ] وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ( 10 ) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ( 11 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : في إعرابه ثلاثة أوجه أحدها : وَالسَّابِقُونَ عطف على فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ [ الواقعة : 8 ] وعنده تم الكلام ، وقوله : وَالسَّابِقُونَ . . . أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ جملة واحدة والثاني : أن قوله : وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ جملة واحدة ، كما يقول القائل : أنت أنت وكما قال الشاعر : أنا أبو النجم وشعري شعري وفيه وجهان أحدهما : أن يكون لشهرة أمر المبتدأ بما هو عليه فلا حاجة إلى الخبر عنه وهو مراد الشاعر وهو المشهور عند النحاة والثاني : للإشارة إلى أن في المبتدأ مالا يحيط العلم به ولا يخبر عنه ولا يعرف منه إلا