فخر الدين الرازي
371
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ [ الواقعة : 89 ] وذلك لأن الخائف من المقربين والمقرب في روح وريحان وجنة نعيم وأما اللطيفة : فنقول : لما قال تعالى في حق المجرم إنه يطوف بين نار وبين حميم آن ، وهما نوعان ذكر لغيره وهو الخائف جنتين في مقابلة ما ذكر في حق المجرم ، لكنه ذكر هناك أنهم يطوفون فيفارقون عذابا ويقعون في الآخر ، ولم يقل : هاهنا يطوفون بين الجنتين بل جعلهم اللّه تعالى ملوكا وهم فيها يطاف عليهم ولا يطاف بهم احتراما لهم وإكراما في حقهم ، وقد ذكرنا في قوله تعالى : مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ * [ الرعد : 35 ] وقوله : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ [ الذاريات : 15 ] أنه تعالى ذكر الجنة والجنات ، فهي لاتصال أشجارها ومساكنها وعدم وقوع الفاصل بينهما كمهامه وقفار صارت كجنة واحدة ، ولسعتها وتنوع أشجارها وكثرة مساكنها كأنها جنات ، ولاشتمالها على ما تلتذ به الروح والجسم كأنها جنتان ، فالكل عائد إلى صفة مدح . ثم قال تعالى : [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 48 إلى 49 ] ذَواتا أَفْنانٍ ( 48 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 49 ) هي جمع فنن أي ذواتا أغصان أو جمع فن أي فيهما فنون من الأشجار وأنواع من الثمار . فإن قيل : أي الوجهين أقوى ؟ نقول : الأول لوجهين أحدهما : أن الأفنان في جمع فنن هو المشهور والفنون في جمع الفن كذلك ، ولا يظن أن الأفنان والفنون جمع فن بل كل واحد منهما جمع معرف بحرف التعريف والأفعال في فعل كثير والفعول في فعل أكثر ثانيهما : قوله تعالى : فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ [ الرحمن : 52 ] مستقل بما ذكر من الفائدة ، ولأن ذلك فيما يكون ثابتا لا تفاوت فيه ذهنا ووجودا أكثر ، فإن قيل : كيف تمدح بالأفنان والجنات في الدنيا ذوات أفنان كذلك ؟ نقول : فيه وجهان أحدهما : أن الجنات في الأصل ذوات أشجار ، والأشجار ذوات أغصان ، والأغصان ذوات أزهار وأثمار ، وهي لتنزه الناظر إلا أن جنة الدنيا لضرورة الحاجة وجنة الآخرة ليست كالدنيا فلا يكون فيها إلا ما فيه اللذة وأما الحاجة فلا ، وأصول الأشجار وسوقها أمور محتاج إليها مانعة للإنسان عن التردد في البستان كيفما شاء ، فالجنة فيها أفنان عليها أوراق عجيبة ، وثمار طيبة من غير سوق غلاظ ، ويدل عليه أنه تعالى لم يصف الجنة إلا بما فيه اللذة بقوله : ذَواتا أَفْنانٍ أي الجنة هي ذات فنن غير كائن على أصل وعرق بل هي واقفة في الجو وأهلها من تحتها والثاني : من الوجهين هو أن التنكير للأفنان للتكثير أو للتعجب . ثم قال تعالى : [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 50 إلى 53 ] فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ ( 50 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 51 ) فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ ( 52 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 53 ) أي في كل واحدة منهما عين جارية ، كما قال تعالى : فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ وفي كل واحدة منهما من الفواكه نوعان ، وفيها مسائل بعضها يذكر عند تفسير قوله تعالى : فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ * . . . فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ