فخر الدين الرازي

88

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

تأكيدا لبيان صدق اللّه في رسوله الرؤيا ، وذلك لأنه لما كان مرسلا لرسوله ليهدي ، لا يريد ما لا يكون مهديا للناس فيظهر خلافه ، فيقع ذلك سببا للضلال ، ويحتمل وجوها أقوى من ذلك ، وهو أن الرؤيا بحيث توافق الواقع تقع لغير الرسل ، لكن رؤية الأشياء قبل وقوعها في اليقظة لا تقع لكل أحد فقال تعالى : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وحكى له ما سيكون في اليقظة ، ولا يبعد من أن يريه في المنام ما يقع فلا استبعاد في صدق رؤياه ، وفيها أيضا بيان وقوع الفتح ودخول مكة بقوله تعالى : لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ أي من يقويه على الأديان لا يستبعد منه فتح مكة له و ( الهدى ) يحتمل أن يكون هو القرآن كما قال تعالى : أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ [ البقرة : 185 ] وعلى هذا دِينِ الْحَقِّ هو ما فيه من الأصول والفروع ، ويحتمل أن يكون الهدى هو المعجزة أي أرسله بالحق أي مع الحق إشارة إلى ما شرع ، ويحتمل أن يكون الهدى هو الأصول و دِينِ الْحَقِّ هو الأحكام ، وذلك لأن من الرسل من لم يكن له أحكام بل بين الأصول فحسب ، والألف واللام في الهدى يحتمل أن تكون للاستغراق أي كل ما هو هدي ، ويحتمل أن تكون للعهد وهو قوله تعالى : ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ * [ الزمر : 23 ] وهو إما القرآن لقوله تعالى : كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ إلى أن قال : ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ * [ الزمر : 23 ] وإما ما اتفق عليه الرسل لقوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] والكل من باب واحد لأن ما في القرآن موافق لما اتفق / عليه الأنبياء وقوله تعالى : وَدِينِ الْحَقِّ يحتمل وجوها : أحدها : أن يكون الحق اسم اللّه تعالى فيكون كأنه قال : بالهدى ودين اللّه ، وثانيها : أن يكون الحق نقيض الباطل فيكون كأنه قال : ودين الأمر الحق وثالثها : أن يكون المراد به الانقياد إلى الحق والتزامه لِيُظْهِرَهُ أي أرسله بالهدى وهو المعجز على أحد الوجوه لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ أي جنس الدين ، فينسخ الأديان دون دينه ، وأكثر المفسرين على أن الهاء في قوله لِيُظْهِرَهُ راجعة إلى الرسول ، والأظهر أنه راجع إلى دين الحق أي أرسل الرسول بالدين الحق ليظهره أي ليظهر الدين الحق على الأديان ، وعلى هذا فيحتمل أن يكون الفاعل للاظهار هو اللّه ، ويحتمل أن يكون هو النبي أي ليظهر النبي دين الحق ، وقوله تعالى : وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً أي في أنه رسول اللّه وهذا مما يسلي قلب المؤمنين فإنهم تأذوا من رد الكفار عليهم العهد المكتوب ، وقالوا لا نعلم أنه رسول اللّه فلا تكتبوا محمد رسول اللّه بل اكتبوا محمد بن عبد اللّه ، فقال تعالى : وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً في أنه رسول اللّه ، وفيه معنى لطيف وهو أن قول اللّه مع أنه كاف في كل شيء ، لكنه في الرسالة أظهر كفاية ، لأن الرسول لا يكون إلا بقول المرسل ، فإذا قال ملك هذا رسولي ، لو أنكر كل من في الدنيا أنه رسول فلا يفيد إنكارهم فقال تعالى أي خلل في رسالته بإنكارهم مع تصديقي إياه بأنه رسولي ، وقوله مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فيه وجوه أحدها : خبر مبتدأ محذوف تقديره هو محمد الذي سبق ذكره بقوله أَرْسَلَ رَسُولَهُ ورسول اللّه عطف بيان وثانيها : أن محمدا مبتدأ خبره رسول اللّه وهذا تأكيد لما تقدم لأنه لما قال : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ ولا تتوقف رسالته إلا على شهادته ، وقد شهد له بها محمد رسول اللّه من غير نكير وثالثها : وهو مستنبط وهو أن يقال مُحَمَّدٌ مبتدأ و رَسُولُ اللَّهِ عطف بيان سيق للمدح لا للتمييز وَالَّذِينَ مَعَهُ عطف على محمد ، وقوله أَشِدَّاءُ خبره ، كأنه تعالى قال : وَالَّذِينَ مَعَهُ جميعهم أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ لأن وصف الشدة والرحمة وجد في جميعهم ، أما في المؤمنين فكما في قوله تعالى : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ [ المائدة : 54 ] وأما في حق النبي صلى اللّه عليه وسلم فكما في قوله وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ *