فخر الدين الرازي

81

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

لمنعوهم من فتح خيبر واغتنام غنائمها ، فقال ليس كذلك ، بل سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا لا ينصرون ، والغلبة واقعة للمسلمين ، فليس أمرهم أمرا اتفاقيا ، بل هو إلهي محكوم به محتوم . وقوله تعالى : ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً . قد ذكرنا مرارا أن دفع الضرر عن الشخص إما أن يكون بولي ينفع باللطف ، أو بنصير يدفع بالعنف ، وليس للذين كفروا شيء من ذلك ، وفي قوله تعالى : ثُمَّ لطيفة وهي أن من يولي دبره يطلب الخلاص من القتل بالالتحاق بما ينجيه ، فقال وليس إذا ولوا الأدبار يتخلصون ، بل بعد التولي الهلاك لا حق بهم . [ سورة الفتح ( 48 ) : آية 23 ] سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ( 23 ) جواب عن سؤال آخر يقوم مقام الجهاد وهو أن الطوالع لها تأثيرات ، والاتصالات لها تغيرات ، فقال ليس كذلك [ بل ] سنة اللّه نصرة رسوله ، وإهلاك عدوه . وقوله تعالى : وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا . بشارة ودفع وهن يقع بسبب وهم ، وهو أنه إذا قال اللّه تعالى ليس هذا بالتأثيرات فلا يجب وقوعه ، بل اللّه فاعل مختار ، ولو أراد أن يهلك العباد لأهلكهم ، بخلاف قول المنجم بأن الغلب لمن / له طالع وشواهد تقتضي غلبته قطعا ، فقال اللّه تعالى : وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا يعني أن اللّه فاعل مختار يفعل ما يشاء ويقدر على إهلاك أصدقائه ، ولكن لا يبدل سنته ولا يغير عادته . [ سورة الفتح ( 48 ) : آية 24 ] وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً ( 24 ) تبيينا لما تقدم من قوله وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ [ الفتح : 22 ] أي هو بتقدير اللّه ، لأنه كف أيديهم عنكم بالفرار ، وأيديكم عنهم بالرجوع عنهم وتركهم ، وقوله تعالى : بِبَطْنِ مَكَّةَ إشارة إلى أمر كان هناك يقتضي عدم الكف ، ومع ذاك وجد كف الأيدي ، وذلك الأمر هو دخول المسلمين ببطن مكة ، فإن ذلك يقتضي أن يصبر المكفوف على القتال لكون العدو دخل دارهم طالبين ثأرهم ، وذلك مما يوجب اجتهاد البليد في الذب عن الحريم ، ويقتضي أن يبالغ المسلمون في الاجتهاد في الجهاد لكونهم لو قصروا لكسروا وأسروا لبعد مأمنهم ، فقوله بِبَطْنِ مَكَّةَ إشارة إلى بعد الكف ، ومع ذلك وجد بمشيئة اللّه تعالى ، وقوله تعالى : مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ صالح لأمرين أحدهما : أن يكون منة على المؤمنين بأن الظفر كان لكم ، مع أن الظاهر كان يستدعي كون الظفر لهم لكون البلاد لهم ، ولكثرة عددهم الثاني : أن يكون ذكر أمرين مانعين من الأمرين الأولين ، مع أن اللّه حققهما مع المنافقين ، أما كف أيدي الكفار ، فكان بعيدا لكونهم في بلادهم ذابين عن أهليهم وأولادهم ، وإليه أشار بقوله بِبَطْنِ مَكَّةَ وأما كف أيدي المسلمين ، فلأنه كان بعد أن ظفروا بهم ، ومتى ظفر الإنسان بعدوه الذي لو ظفر هو به لاستأصله يبعد انكفافه عنه ، مع أن اللّه كف اليدين . وقوله تعالى : وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً .