فخر الدين الرازي
78
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
قضاء الحق ، فلا يكون بين الملازمة وقضاء الحق زمان لا يوجد فيه الملازمة ولا قضاء الحق ، فيكون في قوله لألزمنك أو تقضيني ، كما حكي في قول القائل ، لألزمنك إلى أن تقضيني ، لامتداد زمان الملازمة إلى القضاء ، وهذا ما يضعف قول القائل الداعي هو عمر والقوم فارس والروم لأن الفريقين يقران بالجزية ، فالقتال معهم لا يمتد إلى الإسلام لجواز أن يؤدوا الجزية ، وقوله تعالى : فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ فيه فائدة لأن التولي إذا كان بعذر كما قال تعالى : لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ [ النور : 61 ] لا يكون للمتولي عذاب أليم ، فقال : وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ يعني إن كان توليكم بناء على الظن الفاسد والاعتقاد الباطل كما كان حيث قلتم بألسنتكم لا بقلوبكم شَغَلَتْنا أَمْوالُنا [ الفتح : 11 ] فاللّه يعذبكم عذابا أليما . [ سورة الفتح ( 48 ) : آية 17 ] لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً ( 17 ) بين من يجوز له التخلف وترك الجهاد وما بسببه يجوز ترك الجهاد وهو ما يمنع من الكر والفر وبين ذلك ببيان ثلاثة أصناف الأول : الْأَعْمى فإنه لا يمكنه الإقدام على العدو والطلب ولا يمكنه الاحتراز والهرب ، والأعرج كذلك والمريض كذلك ، وفي معنى الأعرج الأقطع / والمقعد ، بل ذلك أولى بأن يعذر ، ومن به عرج لا يمنعه من الكر والفر لا يعذر ، وكذلك المرض القليل الذي لا يمنع من الكر والفر كالطحال والسعال إذ به يضعف وبعض أوجاع المفاصل لا يكون عذرا وفيه مسائل : المسألة الأولى : أن هذه أعذار تكون في نفس المجاهد ولنا أعذار خارجة كالفقر الذي لا يتمكن صاحبه من استصحاب ما يحتاج إليه والاشتغال بمن لولاه لضاع كطفل أو مريض ، والأعذار تعلم من الفقه ونحن نبحث فيما يتعلق بالتفسير في بيان مسائل : المسألة الأولى : ذكر الأعذار التي في السفر ، لأن غيرها ممكن الإزالة بخلاف العرج والعمى . المسألة الثانية : اقتصر منها على الأصناف الثلاثة ، لأن العذر إما أن يكون بإخلال في عضو أو باختلال في القوة ، والذي بسبب إخلال العضو ، فإما أن يكون بسبب اختلال في العضو الذي به الوصول إلى العدو والانتقال في مواضع القتال ، أو في العضو الذي تتم به فائدة الحصول في المعركة والوصول ، والأول : هو الرجل ، والثاني : هو العين ، لأن بالرجل يحصل الانتقال ، وبالعين يحصل الانتفاع في الطلب والهرب . وأما الأذن والأنف واللسان وغيرها من الأعضاء ، فلا مدخل لها في شيء من الأمرين ، بقيت اليد ، فإن المقطوع اليدين لا يقدر على شيء ، وهو عذر واضح ولم يذكره ، نقول : لأن فائدة الرجل وهي الانتقال تبطل بالخلل في إحداهما ، وفائدة اليد وهي الضراب والبطش لا تبطل إلا ببطلان اليدين جميعا ، ومقطوع اليدين لا يوجد إلا نادرا ، ولعل في جماعة النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يكن أحد مقطوع اليدين فلم يذكره ، أو لأن المقطوع ينتفع به في الجهاد ، فإنه ينظر ولولاه لاستقل به مقاتل فيمكن أن يقاتل ، وهو غير معذور في التخلف ، لأن المجاهدين ينتفعون به بخلاف الأعمى ، فإن قيل كما أن مقطوع اليد الواحدة لا تبطل منفعة بطشه كذلك الأعور لا تبطل منفعة رؤيته ، وقد ذكر الأعمى ، وما ذكر الأشل وأقطع اليدين ، قلنا لما بينا أن مقطوع اليدين نادر الوجود والآفة النازلة