فخر الدين الرازي
74
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
لما بيّن حال المنافقين ذكر المتخلفين ، فإن قوما من الأعراب امتنعوا عن الخروج مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لظنهم أنه يهزم ، فإنهم قالوا أهل مكة يقاتلون عن باب المدينة ، فكيف يكون حالهم إذا دخلوا بلادهم وأحاط بهم العدو فاعتذروا ، وقولهم شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فيه أمران يفيدان وضوح العذر أحدهما : [ قولهم ] أَمْوالُنا ولم يقولوا شغلتنا الأموال ، وذلك لأن جمع المال لا يصلح عذرا [ لأنه ] لا نهاية له ، وأما حفظ ما جمع من الشتات ومنع الحاصل من الفوائت يصلح عذرا ، فقالوا شَغَلَتْنا أَمْوالُنا أي ما صار مالا لنا لا مطلق الأموال وثانيهما : قوله تعالى : وَأَهْلُونا وذلك لو أن قائلا قال لهم : المال لا ينبغي أن يبلغ إلى درجة يمنعكم حفظه من متابعة الرسول صلى اللّه عليه وسلم لكان لهم أن يقولوا : فالأهل يمنع الاشتغال بهم وحفظهم عن أهم الأمور ، ثم إنهم مع العذر تضرعوا وقالوا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يعني فنحن مع إقامة العذر معترفون بالإساءة ، فاستغفر لنا واعف عنا في أمر الخروج ، فكذبهم اللّه تعالى فقال : يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وهذا يحتمل أمرين أحدهما : أن يكون التكذيب راجعا إلى قولهم فَاسْتَغْفِرْ لَنا وتحقيقه هو أنهم أظهروا أنهم يعتقدون أنهم مسيئون بالتخلف حتى استغفروا ، ولم يكن في اعتقادهم ذلك ، بل كانوا يعتقدون أنهم بالتخلف محسنون ثانيهما : قالوا شَغَلَتْنا إشارة إلى أن امتناعنا لهذا لا غير ، ولم يكن ذلك في اعتقادهم ، بل كانوا يعتقدون امتناعهم لاعتقاد أن النبي صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنون يقهرون ويغلبون ، كما قال بعده بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً [ الفتح : 12 ] وقوله قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً معناه أنكم تحترزون عن الضرر . وتتركون أمر اللّه ورسوله ، وتقعدون طلبا للسلامة ، ولو أراد بكم الضرر لا ينفعكم قعودكم من اللّه شيئا ، أو معناه أنكم تحترزون عن ضرر القتال والمقاتلين وتعتقدون أن أهليكم وبلادكم تحفظكم من العدو ، فهب أنكم حفظتم أنفسكم عن ذلك ، فمن يدفع عنكم عذاب اللّه في الآخرة ، مع أن ذلك أولى بالاحتراز ، وقد ذكرنا في سورة يس في قوله تعالى : إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ [ يس : 23 ] أنه في / صورة كون الكلام مع المؤمن أدخل الباء على الضر ، فقال : إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ [ الزمر : 38 ] وقال : وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ * [ الأنعام : 17 ] وفي صورة كون الكلام مع الكافر أدخل الباء على الكافر ، فقال هاهنا إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا وقال : مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً [ الأحزاب : 17 ] وقد ذكرنا الفرق الفائق « 1 » هناك ، ولا نعيده ليكون هذا باعثا على مطالعة تفسير سورة يس ، فإنها درج الدرر اليتيمة ، بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً أي بما تعملون من إظهار الحرب وإشمار غيره . ثم قال تعالى : [ سورة الفتح ( 48 ) : آية 12 ] بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً ( 12 ) يعني لم يكن تخلفكم لما ذكرتم بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ وأن مخففة من الثقيلة ، أي ظننتم أنهم لا ينقلبون ولا يرجعون ، وقوله وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ يعني ظننتم أولا ، فزين الشيطان ظنكم عندكم حتى قطعتم به ، وذلك لأن الشبهة قد يزينها الشيطان ، ويضم إليها مخايلة يقطع بها الغافل ، وإن كان لا يشك فيها العاقل ، وقوله تعالى : وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون هذا العطف عطفا يفيد
--> ( 1 ) سبق أن عبر المفسر عنه بقوله ( الفرق الفارق ) فلعلها مصحفة هنا للفائق ، وهذا معنى مناسب أيضا .