فخر الدين الرازي
62
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
يكون لهم الغلبة فقال إن اللّه معكم لا يبقى لكم شك ولا ارتياب في أن الغلبة لكم وهذا كقوله تعالى : لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [ المجادلة : 21 ] وقوله وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ [ الصافات : 173 ] وقوله وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ وعد آخر وذلك لأن اللّه لما قال إن اللّه معكم ، كان فيه أن النصرة باللّه لا بكم فكان القائل يقول لم يصدر مني عمل له اعتبار فلا أستحق تعظيما ، فقال هو ينصركم ومع ذلك لا ينقص من أعمالكم شيئا ، ويجعل كأن النصرة جعلت بكم ومنكم فكأنكم مستقلون في ذلك ويعطيكم أجر المستبد ، والترة النقص ، ومنه الموتر كأنه نقص منه ما يشفعه ، ويقول عند القتال إن قتل من الكافرين أحد فقد وتروا في أهلهم وعملهم حيث نقص عددهم وضاع عملهم ، والمؤمن إن قتل فإنما ينقص من عدده ولم ينقص من عمله ، وكيف ولم ينقص من عدده أيضا ، فإنه حي مرزوق ، فرح بما هو إليه مسوق . ثم قال تعالى : [ سورة محمد ( 47 ) : آية 36 ] إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ ( 36 ) زيادة في التسلية يعني كيف تمنعك الدنيا من طلب الآخرة بالجهاد ، وهي لا تفوتك لكونك منصورا غالبا ، وإن فاتتك فعملك غير موتر ، فكيف وما يفوتك ، فإن فات فائت ولم يعوض لا ينبغي لك أن تلتفت إليها لكونها لعبا ولهوا ، وقد ذكرنا في اللعب واللهو مرارا أن اللعب / ما تشتغل به ولا يكون فيه ضرورة في الحال ولا منفعة في المآل ، ثم إن استعمله الإنسان ولم يشتغله عن غيره ، ولم يثنه عن أشغاله المهمة فهو لعب وإن شغله ودهشه عن مهماته فهو لهو ، ولهذا يقال ملاهي لآلات الملاهي لأنها مشغلة عن الغير ، ويقال لما دونه لعب كاللعب بالشطرنج والحمام ، وقد ذكرنا ذلك غير مرة ، وقوله وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ إعادة للوعد والإضافة للتعريف ، أي الأجر الذي وعدكم بقوله أَجْرٍ كَرِيمٍ * [ يس : 11 ] وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * [ هود : 11 ] وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * [ آل عمران : 172 ] وقوله وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ يحتمل وجوها أحدها : أن الجهاد لا بد له من إنفاق ، فلو قال قائل أنا لا أنفق مالي ، فيقال له اللّه لا يسئلكم مالكم في الجهات المعينة من الزكاة والغنيمة وأموال المصالح فيها تحتاجون إليه من المال لا تراعون بإخراجه وثانيها : الأموال للّه وهي في أيديكم عارية وقد طلب منكم أو أجاز لكم في صرفها في جهة الجهاد فلا معنى لبخلكم بماله ، وإلى هذا إشارة بقوله تعالى : وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الحديد : 10 ] أي الكل للّه وثالثها : لا يسألكم أموالكم كلها ، وإنما يسألكم شيئا يسيرا منها وهو ربع العشر ، وهو قليل جدا لأن العشر هو الجزء الأقل إذ ليس دونه جزء آخر وليس اسما مفردا ، وأما الجزء من أحد عشر ومن اثنى عشر و [ إلى ] مائة جزء لما لم يكن ملتفتا إليه لم يوضع له اسم مفرد . ثم إن اللّه تعالى لم يوجب ذلك في رأس المال بل أوجب ذلك في الربح الذي هو من فضل اللّه وعطائه ، وإن كان رأس المال أيضا كذلك لكن هذا المعنى في الربح أظهر ، ولما كان المال منه ما ينفق للتجارة فيه ومنه ما لا ينفق ، وما أنفق منه للتجارة أحد قسميه وهو يحتمل أن تكون التجارة فيه رابحة ، ويحتمل أن لا تكون رابحة فصار القسم الواحد قسمين فصار في التقدير كان الربح في ربعه فأوجب [ ربع ] عشر الذي فيه الربح وهو عشر فهو ربع العشر وهو الواجب ، فعلم أن اللّه لا يسألكم أموالكم ولا الكثير منه . ثم قال تعالى : [ سورة محمد ( 47 ) : آية 37 ] إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ ( 37 )