فخر الدين الرازي

58

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

تعالى قابل الأمرين فقال : يضربون وجوههم حيث أقبلوا على سخط اللّه ، فإن المتسع للشيء متوجه إليه ، ويضربون أدبارهم لأنهم تولوا عما فيه رضا اللّه ، فإن الكاره للشيء يتولى عنه ، وما أسخط اللّه يحتمل وجوها الأول : إنكار الرسول عليه الصلاة والسلام ورضوانه الإقرار به والإسلام الثاني : الكفر هو ما أسخط اللّه والإيمان يرضنيه يدل عليه قوله تعالى : إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [ الزمر : 7 ] وقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ إلى أن قال : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [ البينة : 7 ، 8 ] الثالث : ما أسخط اللّه تسويل الشيطان ، ورضوان اللّه التعويل على البرهان والقرآن ، فإن قيل هم ما كانوا يكرهون رضوان اللّه ، بل كانوا يقولون : إن ما نحن عليه فيه رضوان اللّه ، ولا نطلب إلا رضاء اللّه ، وكيف لا والمشركون بإشراكهم كانوا يقولون : إنا نطلب رضاء اللّه . كما قالوا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] وقالوا فَيَشْفَعُوا لَنا [ الأعراف : 53 ] فنقول معناه كرهوا ما فيه رضاء اللّه تعالى . وفيه لطيفة وهي أن اللّه تعالى قال : ما أَسْخَطَ اللَّهَ ولم يقل : ما أرضى اللّه « 1 » وذلك لأن رحمة اللّه سابقة ، فله رحمة ثابتة وهي منشأ الرضوان ، وغضب اللّه متأخر فهو يكون على ذنب ، فقال : رِضْوانَهُ لأنه وصف ثابت للّه سابق ، ولم يقل سخط اللّه ، بل ما أَسْخَطَ اللَّهَ إشارة إلى أن السخط ليس ثبوته كثبوت الرضوان ، ولهذا المعنى قال في اللعان في حق المرأة وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [ النور : 9 ] يقال : غضب اللّه مضافا لأن لعانه قد سبق مظهر الزنا بقوله وأيمانه ، وقبله لم يكن للّه غضب ، ورضوان اللّه أمر يكون منه الفعل ، وغضب اللّه أمر يكون من فعله ، ولنضرب له مثالا : الكريم الذي رسخ الكرم في نفسه يحمله الكرم على الأفعال الحسنة ، فإذا كثر من السيء الإساءة فغضبه لا لأمر يعود إليه ، بل غضبه عليه يكون لإصلاح / حالة ، وزجرا لأمثاله عن مثل فعاله ، فيقال هو كان الكريم فكرمه لما فيه من الغريزة الحسنة ، لكن فلانا أغضبه وظهر منه الغضب ، فيجعل الغضب ظاهرا من الفعل ، والفعل الحسن ظاهرا من الكرم ، فالغضب في الكريم بعد فعل ، والفعل منه بعد كرم ، ومن هذا يعرف لطف قوله ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ . ثم قال تعالى : فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ حيث لم يطلبوا إرضاء اللّه ، وإنما طلبوا إرضاء الشيطان والأصنام . [ سورة محمد ( 47 ) : آية 29 ] أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ ( 29 ) هذا إشارة إلى المنافقين و أَمْ تستدعي جملة أخرى استفهامية إذا كانت للاستفهام ، لأن كلمة أَمْ إذا كانت متصلة استفهامية تستدعي سبق جملة أخرى استفهامية ، يقال أزيد في الدار أم عمرو ، وإذا كانت منقطعة لا تستدعي ذلك ، يقال إن هذا لزيد أم عمرو ، وكما يقال بل عمرو ، والمفسرون على أنها منقطعة ، ويحتمل أن يقال إنها استفهامية ، والسابق مفهوم من قوله تعالى : وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ فكأنه تعالى قال : أحسب الذين كفروا أن لن يعلم اللّه إسرارهم أم حسب المنافقون أن لن يظهرها والكل قاصر ، وإنما يعلمها ويظهرها ، ويؤيد هذا أن المتقطعة لا تكاد تقع في صدر الكلام فلا يقال ابتداء ، بل جاء زيد ، ولا أم جاء عمرو ، والإخراج بمعنى الإظهار فإنه إبراز ، والأضغان هي الحقود والأمراض ، واحدها ضغن . ثم قال تعالى :

--> ( 1 ) يعني أنه تعالى قال : وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ ولم يقل : وكرهوا ما أرضى اللّه ، وليس في مقابلة قوله ما أَسْخَطَ اللَّهَ كما هو المتبادر من قول المفسر .