فخر الدين الرازي
14
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الجلال والهيبة فلا يزول البتة عن العبد ، ألا ترى أن الملائكة مع علو درجاتهم وكمال عصمتهم لا يزول الخوف عنهم فقال تعالى : يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [ النحل : 50 ] وهذه المسألة سبقت بالاستقصاء في آيات كثيرة منها قوله تعالى : لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ [ الأنبياء : 103 ] . ثم قال تعالى : أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ قالت المعتزلة : هذه الآية تدل على مسائل أولها : قوله تعالى : أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ وهذا يفيد الحصر ، وهذا يدل على أن أصحاب الجنة ليسوا إلا الذين قالوا ربنا اللّه ثم استقاموا ، وهذا يدل على أن صاحب الكبيرة قبل التوبة لا يدخل الجنة وثانيها : قوله تعالى : جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وهذا يدل على فساد قول من يقول : الثواب فضل لا جزاء وثالثها : أن قوله تعالى : بِما كانُوا يَعْمَلُونَ يدل على إثبات العمل للعبد ورابعها : أن هذا يدل على أنه يجوز أن يحصل الأثر في حال المؤثر ، أو أي أثر كان موجودا قبل ذلك بدليل أن العمل المتقدم أوجب الثواب المتأخر وخامسها : كون العبد / مستحقا على اللّه تعالى ، وأعظم أنواع هذا النوع الإحسان إلى الوالدين ، لا جرم أردفه بهذا المعنى ، فقال تعالى : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وقد تقدم الكلام في نظير هذه الآية في سورة العنكبوت ، وفي سورة لقمان ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي بِوالِدَيْهِ إِحْساناً والباقون حسنا . واعلم أن الإحسان خلاف الإساءة والحسن خلاف القبيح ، فمن قرأ إِحْساناً فحجته قوله تعالى في سورة بني إسرائيل وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [ الإسراء : 43 ] والمعنى أمرناه بأن يوصل إليهما إحساناً ، وحجة القراءة الثانية قوله تعالى في العنكبوت وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً [ العنكبوت : 8 ] ولم يختلفوا فيه ، والمراد أيضا أنا أمرناه بأن يوصل إليهما فعلا حسنا ، إلا أنه سمى ذلك الفعل الحسن بالحسن على سبيل المبالغة ، كما يقال : هذا الرجل علم وكرم ، وانتصب حسنا على المصدر ، لأن معنى وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ أمرناه أن يحسن إليهما إحسانا . ثم قال تعالى : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي كرها بضم الكاف ، والباقون بفتحها ، قيل هما لغتان : مثل الضعف والضعف ، والفقر والفقر ، ومن غير المصادر : الدف والدف ، والشهد والشهد ، قال الواحدي : الكره مصدر من كرهت الشيء أكرهه ، والكره الاسم كأنه الشيء المكروه قال تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [ البقرة : 216 ] فهذا بالضم ، وقال : أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً [ النساء : 19 ] فهذا في موضع الحال ، ولم يقرأ الثانية بغير الفتح ، فما كان مصدرا أو في موضع الحال فالفتح فيه أحسن ، وما كان اسما نحو ذهبت به على كره كان الضم فيه أحسن . المسألة الثانية : قال المفسرون . حملته أمه على مشقة ووضعته في مشقة ، وليس يريد ابتداء الحمل ، فإن ذلك لا يكون مشقة ، وقد قال تعالى : فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً [ الأعراف : 189 ] يريد ابتداء الحمل ، فإن ذلك لا يكون مشقة ، فالحمل نطفة وعلقة ومضغة ، فإذا أثقلت فحينئذ حملته كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً يريد شدة الطلق .