فخر الدين الرازي
555
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
واعلم أنه تعالى لما بين كيفية عقوبة أولئك الكفار في الدنيا أردفه بكيفية عقوبتهم في الآخرة ، ليحصل منه تمام الاعتبار في الزجر والتحذير ، وقرأ نافع نحشر بالنون أعداء بالنصب أضاف الحشر إلى نفسه ، والتقدير يحشر اللّه عز وجل أعداءه الكفار من الأولين والآخرين وحجته أنه معطوف على قوله وَنَجَّيْنَا [ فصلت : 18 ] فيحسن أن يكون على وفقه في اللفظ ، ويقويه قوله يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ [ مريم : 85 ] وَحَشَرْناهُمْ [ الكهف : 47 ] وأما الباقون فقرءوا على فعل ما لم يسم فاعله لأن قصة ثمود قد تمت وقوله وَيَوْمَ يُحْشَرُ ابتداء كلام آخر ، وأيضا الحاشرون لهم هم المأمورون بقوله احْشُرُوا [ الصافات : 22 ] وهم الملائكة ، وأيضا أن هذه القراءة موافقة لقوله فَهُمْ يُوزَعُونَ [ فصلت : 19 ] وأيضا فتقدير القراءة الأولى أن اللّه تعالى قال : ويوم نحشر أعداء اللّه إلى النار فكان الأولى على هذا التقدير أن يقال ويوم نحشر أعداءنا إلى النار . واعلم أنه تعالى لما ذكر أن أعداء اللّه يحشرون إلى النار قال : فَهُمْ يُوزَعُونَ أي يحبس أولهم على آخرهم ، أي يوقف سوابقهم حتى يصل إليهم تواليهم ، والمقصود بيان أنهم إذا اجتمعوا سألوا عن أعمالهم . ثم قال : حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ وفيه مسائل : المسألة الأولى : التقدير حتى إذا جاؤها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم ، وعلى هذا التقدير فكلمة ما صلة ، وقيل فيها فائدة زائدة وهي تأكيد أن عند مجيئهم لا بد وأن تحصل هذه الشهادة كقوله أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ [ يونس : 51 ] أي لا بد لوقت وقوعه من أن يكون وقت إيمانهم به . المسألة الثانية : روي أن العبد يقول يوم القيامة : يا رب العزة ألست قد وعدتني أن لا تظلمني ، فيقول اللّه تعالى فإن لك ذلك ، فيقول العبد إني لا أقبل على نفسي شاهدا إلا من نفسي ، فيختم اللّه على فيه وينطق أعضاءه بالأعمال التي صدرت منه ، فذلك قوله شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ واختلف الناس في كيفية الشهادة وفيه ثلاثة أقوال أحدها : أنه تعالى يخلق الفهم والقدرة والنطق فيها فتشهد كما يشهد الرجل على ما يعرفه والثاني : أنه تعالى يخلق في تلك الأعضاء الأصوات والحروف الدالة على تلك المعاني كما خلق الكلام في الشجرة والثالث : أن يظهر تلك الأعضاء أحوالا تدل على صدور تلك الأعمال من ذلك الإنسان ، وتلك الأمارات تسمى / شهادات ، كما يقال يشهد هذا العالم بتغيرات أحواله على حدوثه ، واعلم أن هذه المسألة صعبة على المعتزلة أما القول الأول : فهو صعب على مذهبهم لأن البنية عندهم شرط لحصول العقل والقدرة فاللسان مع كونه لسانا يمتنع أن يكون محلا للعلم والعقل ، فإن غير اللّه تعالى تلك البنية والصورة خرج عن كونه لسانا وجلدا ، وظاهر الآية يدل على إضافة تلك الشهادة إلى السمع والبصر والجلود ، فإن قلنا إن اللّه تعالى ما غير بنية هذه الأعضاء فحينئذ يمتنع عليها كونها عاقلة ناطقة فاهمة ، وأما القول الثاني : وهو أن يقال إن اللّه تعالى