فخر الدين الرازي
549
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
مختصا بتلك السماء ، وقوله تعالى : وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها أي وكان قد خص كل سماء بالأمر المضاف إليها كقوله وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا [ الأعراف : 4 ] والمعنى فكان قد جاءها ، هذا ما نقله الواحدي وهو عندي ضعيف لأن تقدير الكلام ثم كان قد استوى إلى السماء وكان قد أوحى ، وهذا جمع بين الضدين لأن كلمة ثم تقتضي التأخير وكلمة كان تقتضي التقديم فالجمع بينهما تفيد التناقض ، ونظيره قول القائل ضربت اليوم زيدا ثم ضربت عمرا بالأمس ، فكما أن هذا باطل فكذا ما ذكرتموه وإنما يجوز تأويل كلام اللّه بما لا يؤدي إلى وقوع التناقض والركاكة فيه ، والمختار عندي أن يقال خلق السماوات مقدم على خلق الأرض ، بقي أن يقال كيف تأويل هذه الآية ؟ فنقول : الخلق ليس عبارة عن التكوين والإيجاد ، والدليل عليه قوله إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ آل عمران : 59 ] فلو كان الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين لكان تقدير الآية أوجده من تراب ثم قال له كن فيكون وهذا محال ، لأنه يلزم أنه تعالى قد قال للشيء الذي وجد كن ثم إنه يكون وهذا محال ، فثبت أن الخلق ليس عبارة عن التكوين والإيجاد ، بل هو عبارة عن التقدير ، والتقدير حق اللّه تعالى هو حكمه بأنه سيوجده وقضاؤه بذلك ، وإذا ثبت هذا فنقول قوله خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ معناه أنه قضى بحدوثه في يومين ، وقضاء اللّه بأنه سيحدث كذا في مدة كذا ، لا يقتضي حدوث ذلك / الشيء في الحال ، فقضاء اللّه تعالى بحدوث الأرض في يومين قد تقدم على إحداث السماء ، ولا يلزم منه تقدم إحداث الأرض على إحداث السماء ، وحينئذ يزول السؤال ، فهذا ما وصلت إليه في هذا الموضع المشكل . ثم قال تعالى : فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ . واعلم أن ظاهر هذا الكلام يقتضي أن اللّه تعالى أمر السماء والأرض بالإتيان فأطاعا وامتثلا وعند هذا حصل في الآية قولان : القول الأول : أن تجري هذه الآية على ظاهرها فنقول : إن اللّه تعالى أمرهما بالإتيان فأطاعاه قال القائلون بهذا القول وهذا غير مستبعد ، ألا ترى أنه تعالى أمر الجبال أن تنطق مع داود عليه السلام فقال : يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ [ سبأ : 10 ] واللّه تعالى تجلى للجبل قال : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ [ الأعراف : 143 ] واللّه تعالى أنطق الأيدي والأرجل فقال : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [ النور : 24 ] وإذا كان كذلك فكيف يستبعد أن يخلق اللّه في ذات السماء والأرض حياة وعقلا وفهما ، ثم يوجه الأمر والتكليف عليهما ، ويتأكد هذا الاحتمال بوجوه الأول : أن الأصل حمل اللفظ على ظاهره إلا إذا منع منه مانع ، وهاهنا لا مانع ، فوجب إجراؤه على ظاهره الثاني : أنه تعالى أخبر عنهما ، فقال : قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ وهذا الجمع جمع ما يعقل ويعلم الثالث : قوله تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها [ الأحزاب : 72 ] وهذا يدل على كونها عارفة باللّه ، مخصوصة بتوجيه تكاليف اللّه عليها ، والإشكال عليه أن يقال : المراد من قوله ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً الإتيان إلى الوجود والحدوث والحصول وعلى هذا التقدير فحال توجه هذا الأمر كانت السماوات والأرض معدومة ، إذ لو كانت موجودة لصار حاصل هذا الأمر أن يقال : يا موجود كن موجودا ، وذلك لا يجوز ، فثبت أنها حال توجه هذا الأمر عليها كانت معدومة ، وإذا كانت معدومة لم تكن فاهمة ولا عارفة للخطاب ، فلم يجز توجيه الأمر عليها ، فإن قال قائل : روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال :