فخر الدين الرازي

468

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

منه ، وعاشرها : قوله لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ وعلى قولهم لو رده اللّه أبدا كرة بعد كرة ، وليس فيه إلا قدرة الكفر لم يصح أن يكون محسنا ، والحادي عشر : قوله تعالى موبخا لهم بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ فبيّن تعالى أن الحجة عليهم للّه لا أن الحجة لهم على اللّه ، ولو أن الأمر كما قالوا لكان لهم أن يقولوا : قد جاءتنا الآيات ولكنك خلقت فينا التكذيب بها ولم تقدرنا على التصديق بها . والثاني عشر : أنه تعالى وصفهم بالتكذيب والاستكبار والكفر على وجه الذم ولو لم تكن هذه الأشياء أفعالا لهم لما صح الكلام ، والجواب عنه أن هذه الوجوه معارضة ، بما أن القرآن مملوء من أن اللّه تعالى يضل ويمنع ويصدر منه اللين / والقسوة والاستدراج ، ولما كان هذا التفسير مملوءا منه لم يكن إلى الإعادة حاجة . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 60 إلى 61 ] وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ ( 60 ) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 61 ) اعلم أن هذا نوع آخر من تقرير الوعيد والوعد ، أما الوعيد فقوله تعالى : وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ وفيه بحثان : أحدهما : أن هذا التكذيب كيف هو ؟ والثاني : أن هذا السواد كيف هو ؟ البحث الأول : عن حقيقة هذا التكذيب ، فنقول : المشهور أن الكذب هو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه ، ومنهم من قال هذا القدر لا يكون كذبا بل الشرط في كونه كذبا أن يقصد الإتيان بخبر يخالف المخبر عنه ، إذا عرفت هذا الأصل فنذكر أقوال الناس في هذه الآية : قال الكعبي : ويرد الخبر بأن هذه الآية وردت عقيب قوله لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي [ الزمر : 58 ] يعني أنه ما هداني بل أضلني ، فلما حكى اللّه عن الكفار ثم ذكر عقيبه تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ وجب أن يكون هذا عائدا إلى ذلك الكلام المتقدم ، ثم روي عن الحسن عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « ما بال أقوام يصلون ويقرءون القرآن ، يزعمون أن اللّه كتب الذنوب على العباد ، وهم كذبة على اللّه ، واللّه مسود وجوههم » واعلم أن أصحابنا قالوا آخر الآية يدل على فساد هذا التأويل لأنه تعالى قال في آخر الآية : أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ وهذا يدل على أن أولئك الذين صارت وجوههم مسودة أقوام متكبرون ، والتكبر لا يليق بمن يقول أنا لا أقدر على الخلق والإعادة والإيجاد ، وإنما القادر عليه هو اللّه سبحانه وتعالى ، أما الذين يقولون إن اللّه يريد شيئا وأنا أريد بضده ، فيحصل مرادي ولا يحصل مراد اللّه ، فالتكبر بهذا القائل أليق ، فثبت أن هذا التأويل الذي ذكروه فاسد ، ومن الناس من قال إن هذا الوعيد مختص باليهود والنصارى ، ومنهم من قال إنه مختص بمشركي العرب ، قال القاضي يجب حمل الآية على الكل من المشبهة والمجبرة وكذلك كل من وصف اللّه بما لا يليق به نفيا وإثباتا ، فأضاف إليه ما يجب تنزيهه عنه أو نزهه عما يجب أن يضاف إليه ، فالكل منهم داخلون تحت هذه الآية ، لأنهم كلهم كذبوا على اللّه ، فتخصيص الآية بالمجبرة والمشبهة أو اليهود والنصارى لا يجوز ، واعلم أنا لو أجرينا هذه الآية على عمومها كما ذكره القاضي / لزمه تكفير الأمة ، لأنك لا ترى فرقة من فرق الأمة إلا وقد حصل بينهم اختلاف شديد في صفات اللّه تعالى ، ألا ترى أنه حصل الاختلاف بين أبي هاشم وأهل السنة في مسائل كثيرة من صفات اللّه تعالى ، ويلزم على قانون قول القاضي تكفير أحدهما ، فثبت أنه