فخر الدين الرازي

517

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

واعلم أنه تعالى لما حكى عن فرعون هذه القصة قال بعدها وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي وَصُدَّ بضم الصاد ، قال أبو عبيدة : وبه يقرأ ، لأن ما قبله فعل مبني للمفعول به فجعل ما عطف عليه مثله ، والباقون وصد بفتح الصاد على أنه منع الناس عن الإيمان ، قالوا ومن صده قوله لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ * [ الأعراف : 124 ] ويؤيد هذه القراءة قوله الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ * [ النساء : 167 ] وقوله هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [ الفتح : 25 ] . المسألة الثانية : قوله تعالى : زُيِّنَ لا بد له من المزين ، فقالت المعتزلة : إنه الشيطان ، فقيل لهم إن كان المزين لفرعون هو الشيطان ، فالمزين للشيطان إن كان شيطانا آخر لزم إثبات التسلسل في الشياطين أو الدور وهو محال ، ولما بطل ذلك وجب انتهاء الأسباب والمسببات في درجات الحاجات إلى واجب الوجود ، وأيضا فقوله زُيِّنَ يدل على أن الشيء إن لم يكن في اعتقاد الفاعل موصوفا بأنه خير وزينة وحسن فإنه لا يقدم عليه ، إلا أن ذلك الاعتقاد إن كان صوابا فهو العلم ، وإن كان خطأ فهو الجهل ، ففاعل ذلك الجهل ليس هو ذلك الإنسان ، لأن العاقل لا يقصد تحصيل الجهل لنفسه ، ولأنه إنما يقصد تحصيل الجهل لنفسه إذا عرف كونه جهلا ، ومتى عرف كونه جهلا امتنع بقاؤه جاهلا ، فثبت أن فاعل ذلك الجهل ليس هو ذلك الإنسان ، ولا يجوز أن يكون فاعله هو الشيطان ، لأن البحث الأول بعينه عائد فيه ، فلم يبق إلا أن يكون فاعله هو اللّه تعالى واللّه أعلم . ويقوي ما قلناه أن صاحب « الكشاف » نقل أنه قرئ وزين له سوء عمله على البناء للفاعل والفعل للّه عزّ وجلّ ، ويدل عليه قوله إِلى إِلهِ مُوسى . ثم قال تعالى : وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ والتباب الهلاك والخسران ، ونظيره قوله تعالى : وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ [ هود : 101 ] وقوله تعالى : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [ المسد : 1 ] واللّه أعلم . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 38 إلى 44 ] وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ ( 38 ) يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ ( 39 ) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ ( 40 ) وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ( 41 ) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ( 42 ) لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ ( 43 ) فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 44 )