فخر الدين الرازي
511
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
اعلم أن مؤمن آل فرعون لما أقام أنواع الدلائل على أنه لا يجوز الإقدام على قتل موسى ، خوفهم في ذلك بعذاب اللّه فقال : يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ يعني قد علوتم الناس وقهرتموهم ، فلا تفسدوا أمركم على أنفسكم ولا تتعرضوا لبأس اللّه وعذابه ، فإنه لا قبل لكم به ، وإنما قال : يَنْصُرُنا و جاءَنا لأنه كان يظهر من نفسه أنه منهم وأن الذي ينصحهم به هو مشارك لهم فيه ، ولما قال ذلك المؤمن هذا الكلام قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى أي لا أشير إليكم / برأي سوى ما ذكرته أنه يجب قتله حسما لمادة الفتنة وَما أَهْدِيكُمْ بهذا الرأي إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ والصلاح ، ثم حكى تعالى أن ذلك المؤمن رد هذا الكلام على فرعون فقال : إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ . واعلم أنه تعالى حكى عن ذلك المؤمن أنه كان يكتم إيمانه ، والذي يكتم كيف يمكنه أن يذكر هذه الكلمات مع فرعون ، ولهذا السبب حصل هاهنا قولان الأول : أن فرعون لما قال : ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى [ غافر : 26 ] لم يصرح ذلك المؤمن بأنه على دين موسى ، بل أوهم أنه مع فرعون وعلى دينه ، إلا أنه زعم أن المصلحة تقتضي ترك قتل موسى ، لأنه لم يصدر عنه إلا الدعوة إلى اللّه والإتيان بالمعجزات القاهرة وهذا لا يوجب القتل ، والإقدام على قتله يوجب الوقوع في ألسنة الناس بأقبح الكلمات ، بل الأولى أن يؤخر قتله وأن يمنع من إظهار دينه ، لأن على هذا التقدير إن كان كاذبا كان وبال كذبه عائدا إليه ، وإن كان صادقا حصل الانتفاع به من بعض الوجوه ، ثم أكد ذلك بقوله إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ [ غافر : 28 ] يعني أنه إن صدق فيما يدعيه من إثبات الإله القادر الحكيم فهو لا يهدي المسرف الكذاب ، فأوهم فرعون أنه أراد بقوله إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ أنه يريد موسى وهو إنما كان يقصد به فرعون ، لأن المسرف الكذاب هو فرعون والقول الثاني : أن مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه أولا ، فلما قال فرعون ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى أزال الكتمان وأظهر كونه على دين موسى ، وشافه فرعون بالحق . واعلم أنه تعالى حكى عن هذا المؤمن أنواعا من الكلمات ذكرها لفرعون فالأول : قوله يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ والتقدير مثل أيام الأحزاب ، إلا أنه لما أضاف اليوم إلى الأحزاب وفسرهم بقوم نوح وعاد وثمود ، فحينئذ ظهر أن كل حزب كان له يوم معين في البلاء ، فاقتصر من الجمع على ذكر الواحد لعدم الالتباس ، ثم فسّر قوله إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ بقوله مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ ودأب هؤلاء دونهم في عملهم من الكفار والتكذيب وسائر المعاصي ، فيكون ذلك دائبا ودائما لا يفترون عنه ، ولا بد من حذف مضاف يريد مثل جزاء دأبهم ، والحاصل أنه خوفهم بهلاك معجل في الدنيا ، ثم خوفهم أيضا بهلاك الآخرة ، وهو قوله وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ والمقصود منه التنبيه على عذاب الآخرة . والنوع الثاني : من كلمات ذلك المؤمن قوله تعالى : وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ يعني أن تدمير أولئك الأحزاب كان عدلا ، لأنهم استوجبوه بسبب تكذيبهم للأنبياء ، فتلك الجملة قائمة هاهنا ، فوجب حصول الحكم هاهنا ، قالت المعتزلة : وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ يدل على أنه لا يريد أن يظلم بعض العباد بعضا ، ويدل على أنه لا يريد ظلم أحد من العباد ، فلو خلق الكفر فيهم ثم عذبهم على ذلك الكفر لكان ظالما ، وإذا ثبت أنه لا يريد الظلم البتة ثبت أنه غير خالق لأفعال العباد ، لأنه لو خلقها لأرادها ، وثبت أيضا أنه قادر على الظلم ، إذ لو