فخر الدين الرازي

497

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

في المعبودية ، فقال : هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ واعلم أن أهم المهمات رعاية مصالح الأديان ، ومصالح الأبدان ، فهو سبحانه وتعالى راعى مصالح أديان العباد بإظهار البينات والآيات ، وراعى مصالح أبدانهم بإنزال الرزق من السماء ، فموقع الآيات من الأديان كموقع الأرزاق من الأبدان ، فالآيات لحياة الأديان ، والأرزاق لحياة الأبدان ، وعند حصولهما يحصل الإنعام على أقوى الاعتبارات وأكمل الجهات . ثم قال : وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ والمعنى أن الوقوف على دلائل توحيد اللّه تعالى كالأمر المركوز في العقل ، إلا أن القول بالشرك والاشتغال بعبادة غير اللّه يصير كالمانع من تجلي تلك الأنوار ، فإذا أعرض العبد عنها وأناب إلى اللّه تعالى زال الغطاء والوطاء فظهر الفوز التام ، ولما قرر هذا المعنى صرح بالمطلوب وهو الإعراض عن غير اللّه والإقبال بالكلية على اللّه تعالى فقال : فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ من الشرك ، ومن الالتفات إلى غير اللّه وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ قرأ ابن كثير ينزل خفيفة والباقون بالتشديد . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 15 إلى 17 ] رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ( 15 ) يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ( 16 ) الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 17 ) اعلم أنه تعالى لما ذكر من صفات كبريائه وإكرامه كونه مظهرا للآيات منزلا للأرزاق ، ذكر في هذه الآية ثلاثة أخرى من صفات الجلال والعظمة وهو قوله رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ / يُلْقِي الرُّوحَ قال صاحب « الكشاف » ثلاثة أخبار لقوله هُوَ مرتبة على قوله الَّذِي يُرِيكُمْ [ غافر : 13 ] أو أخبار مبتدأ محذوف ، وهي مختلفة تعريفا وتنكيرا ، قرئ رَفِيعُ الدَّرَجاتِ بالنصب على المدح ، وأقول لا بد من تفسير هذه الصفات الثلاثة : فالصفة الأولى : قوله رَفِيعُ الدَّرَجاتِ واعلم أن الرفيع يحتمل أن يكون المراد منه الرافع وأن يكون المراد منه المرتفع ، أما إذا حملناه على الأول ففيه وجوه الوجه الأول : أنه تعالى يرفع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة والثاني : رافع درجات الخلق في العلوم والأخلاق الفاضلة ، فهو سبحانه عين لكل أحد من الملائكة درجة معينة ، كما قال : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [ الصافات : 164 ] وعين لكل واحد من العلماء درجة معينة فقال : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [ المجادلة : 11 ] وعين لكل جسم درجة معينة ، فجعل بعضها سفلية عنصرية ، وبعضها فلكية كوكبية ، وبعضها من جواهر العرش والكرسي ، فجعل لبعضها درجة أعلى من درجة الثاني ، وأيضا جعل لكل واحد مرتبة معينة في الخلق والرزق والأجل ، فقال : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [ الأنعام : 165 ] وجعل لكل أحد من السعداء والأشقياء في الدنيا درجة معينة من موجبات السعادة وموجبات الشقاوة ، وفي الآخرة آثار لظهور تلك السعادة والشقاء ، فإذا حملنا الرفيع على الرفع كان معناه ما ذكرناه ، وأما إذا حملناه على المرتفع فهو سبحانه أرفع الموجودات في جميع صفات الكمال والجلال ، أما في الأصل الوجود فهو أرفع الموجودات ، لأنه واجب الوجود لذاته وما سواه ممكن ومحتاج إليه ، وأما في دوام الوجود فهو أرفع الموجودات ، لأنه واجب الوجود لذاته وهو الأزلي والأبدي والسرمدي ، الذي هو أول لكل ما سواه ، وليس له أول وآخر لكل ما سواه ، وليس له آخر ، أما في العلم : فلأنه هو العالم بجميع الذوات والصفات والكليات والجزئيات ، كما قال : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ