فخر الدين الرازي
490
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الإيمان ، وقوله إن التائب عن الكفر المصر على الفسق لا يسمى تائبا ولا متبعا سبيل اللّه ، قلنا لا نسلم قوله ، بل يقال إنه تائب عن الكفر وتابع سبيل اللّه في الدين والشريعة ، وإذا ثبت أنه تائب عن الكفر ثبت أنه تائب ، ألا ترى أنه يكفي في صدق وصفه بكونه ضاربا وضاحكا صدور الضرب والضحك عنه مرة واحدة ، ولا يتوقف ذلك على صدور كل أنواع الضرب والضحك عنه « 1 » فكذا هاهنا . المسألة الثالثة : قال أهل التحقيق : إن هذه الشفاعة الصادرة عن الملائكة في حق البشر تجري مجرى اعتذار عن ذلة سبقت ، وذلك لأنهم قالوا في أول تخليق البشر أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ [ البقرة : 30 ] فلما سبق منهم هذا الكلام تداركوا في آخر الأمر بأن قالوا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ وهذا كالتنبيه على أن من آذى غيره ، فالأولى أن يجبر ذلك الإيذاء بإيصال نفع عليه . واعلم أنه تعالى لما حكى عن الملائكة أنهم يستغفرون للذين تابوا ، بيّن كيفية ذلك الاستغفار ، فحكى عنهم أنهم قالوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً وفيه مسائل : المسألة الأولى : أن الدعاء في أكثر الأمر مذكور بلفظ رَبَّنا ويدل عليه أن الملائكة عند الدعاء قالوا رَبَّنا بدليل هذه الآية ، وقال آدم عليه السلام رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [ الأعراف : 23 ] وقال نوح عليه السلام رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ [ هود : 47 ] وقال أيضا : رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً [ نوح : 5 ] وقال أيضا : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ [ نوح : 28 ] وقال عن إبراهيم عليه السلام : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى [ البقرة : 260 ] وقال : رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ [ إبراهيم : 41 ] وقال : رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [ البقرة : 128 ] وقال عن يوسف رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ [ يوسف : 101 ] وقال عن موسى عليه السلام : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [ الأعراف : 143 ] وقال في قصة الوكز رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي / فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ [ القصص : 16 ، 17 ] وحكى تعالى عن داود فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ [ ص : 24 ] وعن سليمان أنه قال : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً [ ص : 35 ] وعن ذكريا أنه نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا [ مريم : 3 ] وعن عيسى عليه السلام أنه قال : رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ [ المائدة : 114 ] وعن محمد صلى اللّه عليه وسلّم أن اللّه تعالى قال له : وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ [ المؤمنون : 97 ] وحكى عن المؤمنين أنهم قالوا رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا [ آل عمران : 191 ] وأعادوا هذه اللفظة خمس مرات ، وحكى أيضا عنهم أنهم قالوا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [ البقرة : 285 ] إلى آخر السورة . فثبت بما ذكرنا أن من أرضى الدعاء أن ينادي العبد ربه بقوله يا رب وتمام الإشكال فيه أن يقال لفظ اللّه أعظم من لفظ الرب ، فلم صار لفظ الرب مختصا بوقت الدعاء ؟ ، والجواب كأن العبد يقول : كنت في كتم
--> ( 1 ) لعل الأنسب أن يقال : ولا يتوقف على تكرار الضرب والضحك منه في جميع الأوقات لأن الضرب والضحك ليست لها أنواع .