فخر الدين الرازي

488

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وذلك لأن نسبة الأرواح إلى الأرواح كنسبة الأجساد إلى الأجساد ، فلما كان العرش أشرف الموجودات الجسمانية كانت الأرواح المتعلقة بتدبير العرش يجب أن تكون أفضل من الأرواح المدبرة للأجساد ، وأيضا يشبه أن يكون هناك أرواح حاملة لجسم العرش ثم يتولد عن تلك الأرواح القاهرة المستعلية لجسم العرش أرواح أخر من جنسها ، وهي متعلقة بأطراف العرش وإليهم الإشارة بقوله وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ [ الزمر : 75 ] وبالجملة فقد ظهر بالبراهين اليقينية ، وبالمكاشفات الصادقة أنه لا نسبة لعالم الأجساد ، إلى عالم الأرواح فكل ما شاهدته بعين البصر في اختلاف مراتب عالم الأجساد ، فيجب أن تشاهده بعين بصيرتك في اختلاف مراتب عالم الأرواح . المسألة الثانية : دلت هذه الآية على أنه سبحانه منزه عن أن يكون في العرش ، وذلك لأنه تعالى قال في هذه الآية الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وقال في آية أخرى وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ . [ الحاقة : 17 ] ولا شك أن حامل العرش يكون حاملا لكل من في العرش ، فلو كان إله العالم في العرش لكان هؤلاء الملائكة حاملين لإله العالم فحينئذ يكونون حافظين لإله العالم والحافظ القادر أولى بالإلهية والمحمول المحفوظ أولى بالعبودية ، فحينئذ ينقلب الإله عبدا والعبد إلها ، وذلك فاسد ، فدل هذا على أن إله العرش والأجسام متعال عن العرش والأجسام . واعلم أنه تعالى حكى عن حملة العرش ، وعن الحافين بالعرش ثلاثة أشياء : النوع الأول : قوله يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ونظيره قوله حكاية عن الملائكة وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ [ البقرة : 30 ] وقوله تعالى : وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [ الزمر : 75 ] فالتسبيح عبارة عن تنزيه اللّه تعالى عما لا ينبغي ، والتحميد الاعتراف بأنه هو المنعم على الإطلاق ، فالتسبيح إشارة إلى الجلال والتحميد إشارة إلى الإكرام ، فقوله يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ قريب من قوله تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [ الرحمن : 78 ] . النوع الثاني : مما حكى اللّه عن هؤلاء الملائكة هو قوله تعالى : وَيُؤْمِنُونَ بِهِ فإن قيل فأي فائدة في قوله وَيُؤْمِنُونَ بِهِ فإن الاشتغال بالتسبيح والتحميد لا يمكن إلا وقد سبق الإيمان باللّه ؟ قلنا الفائدة فيه ما ذكره صاحب « الكشاف » ، وقد أحسن فيه جدا فقال إن المقصود منه التنبيه على أن اللّه تعالى لو كان حاضرا بالعرش لكان حملة العرش والحافون حول العرش يشاهدونه ويعاينونه ، ولما كان إيمانهم بوجود اللّه موجبا للمدح والثناء لأن الإقرار بوجود شيء حاضر مشاهد معاين لا يوجب المدح والثناء ، ألا ترى أن الإقرار بوجود الشمس وكونها مضيئة لا يوجب / المدح والثناء ، فلما ذكر اللّه تعالى إيمانهم باللّه على سبيل الثناء والمدح والتعظيم ، علم أنهم آمنوا به بدليل أنهم ما شاهدوه حاضرا جالسا هناك ، ورحم اللّه صاحب « الكشاف » فلو لم يحصل في كتابه إلا هذه النكتة لكفاه فخرا وشرفا . النوع الثالث : مما حكى اللّه عن هؤلاء الملائكة قوله تعالى : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا اعلم أنه ثبت أن كمال السعادة مربوط بأمرين : التعظيم لأمر اللّه ، والشفقة على خلق اللّه ، ويجب أن يكون التعظيم لأمر اللّه مقدما على الشفقة على خلق اللّه فقوله يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ مشعر بالتعظيم لأمر اللّه