فخر الدين الرازي

478

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

[ الإسراء : 13 ] وقال أيضا في آية أخرى ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها [ الكهف : 49 ] وثالثها : قوله وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والمراد أن يكونوا شهداء على الناس ، قال تعالى : فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [ النساء : 41 ] وقال تعالى : يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ [ المائدة : 109 ] ورابعها : قوله وَالشُّهَداءِ والمراد ما قوله في وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [ البقرة : 143 ] أو أراد بالشهداء المؤمنين ، وقال مقاتل : يعني الحفظة ، ويدل عليه قوله تعالى : وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ [ ق : 21 ] وقيل أراد بالشهداء المستشهدين في سبيل اللّه ، ولما بين اللّه تعالى أنه يحضر في محفل القيامة جميع ما يحتاج إليه في فصل الحكومات وقطع الخصومات ، بيّن تعالى أنه يوصل إلى كل أحد حقه ، وعبّر تعالى عن هذا المعنى بأربع عبارات أولها : قوله تعالى : وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وثانيها : قوله وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ وثالثها : قوله وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ أي وفيت كل نفس جزاء ما عملت ، ورابعها : قوله وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ يعني أنه تعالى إذا لم يكن عالماً بكيفيات أحوالهم فلعله لا يقضي بالحق لأجل عدم العلم ، أما إذا كان عالماً بمقادير أفعالهم وبكيفياتها امتنع دخول الخطأ في ذلك الحكم ، فثبت أنه تعالى عبّر عن هذا المقصود بهذه العبارات المختلفة ، والمقصود المبالغة في تقرير أن كل مكلف فإنه يصل إلى حقه . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 71 إلى 72 ] وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ ( 71 ) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ( 72 ) اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل القيامة على سبيل الإجمال فقال : وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ [ الزمر : 70 ] بين بعده كيفية أحوال أهل العقاب ، ثم كيفية أحوال أهل الثواب وختم السورة . أما شرح أحوال أهل العقاب فهو المذكور في هذه الآية ، وهو قوله وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً قال ابن زيدان : سوق الذين كفروا إلى جهنم يكون بالعنف والدفع ، والدليل عليه قوله تعالى : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [ الطور : 13 ] أي يدفعون دفعا ، نظيره قوله تعالى : فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ [ الماعون : 2 ] أي يدفعه ، ويدل عليه قوله تعالى : وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً [ مريم : 86 ] . وأما الزمر ، فهي الأفواج المتفرقة بعض ، في أثر بعض ، فبين اللّه تعالى أنهم يساقون إلى جهنم فإذا جاءوها فتحت أبوابها ، وهذا يدل على أن أبواب جهنم إنما تفتح عند وصول أولئك إليها ، فإذا دخلوا جهنم قال لهم خزنة جهنم أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ أي من جنسكم يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا فإن قيل فلم أضيف اليوم إليهم ؟ قلنا أراد لقاء وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار ، لا يوم القيامة ، واستعمال لفظ اليوم والأيام في أوقات الشدة مستفيض ، فعند هذا تقول الكفار : بلى قد أتونا وتلوا علينا وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ وفي هذه الآية مسألتان : المسألة الأولى : تقدير الكلام أنه حقت علينا كلمة العذاب ، ومن حقت عليه كلمة العذاب فكيف يمكنه