فخر الدين الرازي
563
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الثانية : من الناس من قال المراد من قوله وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ / هو الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ، ومنهم من قال هم المؤذنون ، ولكن الحق المقطوع به أن كل من دعا إلى اللّه بطريق من الطرق فهو داخل فيه ، والدعوة إلى اللّه مراتب : فالمرتبة الأولى : دعوة الأنبياء عليهم السلام راجحة على دعوة غيرهم من وجوه أحدها : أنهم جمعوا بين الدعوة بالحجة أولا ، ثم الدعوة بالسيف ثانيا ، وقلما اتفق لغيرهم الجمع بين هذين الطريقين وثانيها : أنهم هم المبتدئون بهذه الدعوة ، وأما العلماء فإنهم يبنون دعوتهم على دعوة الأنبياء ، والشارع في إحداث الأمر الشريف على طريق الابتداء أفضل وثالثها : أن نفوسهم أقوى قوة ، وأرواحهم أصفى جوهرا ، فكانت تأثيراتها في إحياء القلوب الميتة وإشراق الأرواح الكدرة أكمل ، فكانت دعوتهم أفضل ورابعها : أن النفوس على ثلاثة أقسام : ناقصة وكاملة لا تقوى على تكميل الناقصين وكاملة تقوى على تكميل الناقصين فالقسم الأول : العوام والقسم الثاني : هم الأولياء والقسم الثالث : هم الأنبياء ، ولهذا السبب قال صلى اللّه عليه وسلّم : « علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل » وإذا عرفت هذا فنقول : إن نفوس الأنبياء حصلت لها مزيتان : الكمال في الذات ، والتكميل للغير ، فكانت قوتهم على الدعوة أقوى ، وكانت درجاتهم أفضل وأكمل ، إذا عرفت هذا فنقول : الأنبياء عليهم السلام لهم صفتان : العلم والقدرة ، أما العلماء ، فهم نواب الأنبياء في العلم ، وأما الملوك ، فهم نواب الأنبياء في القدرة ، والعلم يوجب الاستيلاء على الأرواح ، والقدرة توجب الاستيلاء على الأجساد ، فالعلماء خلفاء الأنبياء في عالم الأرواح ، والملوك خلفاء الأنبياء في عالم الأجساد . وإذا عرفت هذا ظهر أن أكمل الدرجات في الدعوة إلى اللّه بعد الأنبياء درجة العلماء ، ثم العلماء على ثلاثة أقسام : العلماء باللّه ، والعلماء بصفات اللّه ، والعلماء بأحكام اللّه . أما العلماء باللّه ، فهم الحكماء الذين قال اللّه تعالى في حقهم يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [ البقرة : 229 ] وأما العلماء بصفات اللّه تعالى فهم أصحاب الأصول ، وأما العلماء بأحكام اللّه فهم الفقهاء ، ولكل واحد من هذه المقامات ثلاث درجات لا نهاية لها ، فلهذا السبب كان للدعوة إلى اللّه درجات لا نهاية لها ، وأما الملوك فهم أيضا يدعون إلى دين اللّه بالسيف ، وذلك بوجهين إما بتحصيله عند عدمه مثل المحاربة مع الكفار ، وإما بإبقائه عند وجوده وذلك مثل قولنا المرتد يقتل ، وأما المؤذنون فهم يدخلون في هذا الباب دخولا ضعيفا ، أما دخولهم فيه فلأن ذكر كلمات الأذان دعوة إلى الصلاة ، فكان ذلك داخلا تحت الدعاء إلى اللّه ، وأما كون هذه المرتبة ضعيفة فلأن الظاهر من حال المؤذن أنه لا يحيط بمعاني تلك الكلمات وبتقدير أن يكون محيطا بها إلا أنه لا يريد بذكرها تلك المعاني الشريفة ، فهذا هو الكلام ، في مراتب الدعوة إلى اللّه . المسألة الثالثة : قوله وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ يدل على أن الدعوة إلى اللّه أحسن من كل ما سواها ، إذا عرفت هذا فنقول : كل ما كان أحسن الأعمال وجب أن يكون واجبا ، لأن كل ما لا يكون واجبا فالواجب أحسن منه ، فثبت أن كل ما كان أحسن الأعمال فهو / واجب ، إذا عرفت هذا فنقول الدعوة إلى اللّه أحسن الأعمال بمقتضى هذه الآية ، وكل ما كان أحسن الأعمال فهو واجب ، ثم ينتج أن الدعوة إلى اللّه واجبة ، ثم نقول الأذان دعوة إلى اللّه والدعوة إليه واجبة فينتج الأذان واجب ، واعلم أن الأكثرين من الفقهاء زعموا أن الأذان غير واجب ، وزعموا أن الأذان غير داخل في هذه الآية ، والدليل القاطع عليه أن الدعوة المرادة بهذه الآية