فخر الدين الرازي
445
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وأما الثاني : فهو التكاليف الحاصلة في أعمال الجوارح وهو المسمى بعلم الفقه والقرآن مشتمل على جملة أصول هذا العلم على أكمل الوجوه . وأما القسم الخامس : وهو معرفة أسماء اللّه تعالى فهو مذكور في قوله تعالى : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها [ الأعراف : 180 ] فهذا كله يتعلق بمعرفة اللّه . وأما القسم الثاني : من الأصول المعتبرة في الإيمان الإقرار بالملائكة كما قال تعالى : وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ [ البقرة : 285 ] والقرآن يشتمل على شرح صفاتهم تارة على سبيل الإجمال وأخرى على طريق التفصيل ، أما بالإجمال فقوله : وَمَلائِكَتِهِ وأما بالتفصيل فمنها ما يدل على كونهم رسل اللّه قال تعالى : جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا [ فاطر : 1 ] ومنها أنها مدبرات لهذا العالم ، قال تعالى : فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً [ الذاريات : 4 ] فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً [ النازعات : 5 ] وقال تعالى : وَالصَّافَّاتِ صَفًّا [ الصافات : 1 ] ومنها حملة العرش قال : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ [ الحاقة : 17 ] ومنها الحافون حول العرش قال : وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ [ الزمر : 75 ] ومنها خزنة النار قال تعالى : عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ [ التحريم : 6 ] ومنها الكرام الكاتبون قال : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِراماً كاتِبِينَ [ الانفطار : 10 ، 11 ] ومنها المعقبات قال تعالى : لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ [ الرعد : 11 ] وقد يتصل بأحوال الملائكة أحوال الجن والشياطين . وأما القسم الثالث : من الأصول المعتبرة في الإيمان معرفة الكتب والقرآن يشتمل على شرح أحوال كتاب آدم عليه السلام قال تعالى : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ [ البقرة : 37 ] ومنها أحوال صحف إبراهيم عليه السلام قال تعالى : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [ البقرة : 124 ] ومنها أحوال التوراة والإنجيل والزبور . وأما القسم الرابع : من الأصول المعتبرة في الإيمان معرفة الرسل واللّه تعالى قد شرح أحوال البعض وأبهم أحوال الباقين قال : مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [ غافر : 78 ] . القسم الخامس : ما يتعلق بأحوال المكلفين وهي على نوعين الأول : أن يقروا بوجوب هذه التكاليف عليهم وهو المراد من قوله : وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا ، الثاني : أن يعترفوا بصدور التقصير عنهم في تلك الأعمال ثم طلبوا المغفرة وهو المراد من قوله : غُفْرانَكَ رَبَّنا ثم لما كانت مقادير رؤية التقصير في مواقف العبودية بحسب المكاشفات في مطالعة عزة الربوبية أكثر ، كانت المكاشفات في تقصير العبودية أكثر وكان قوله : غُفْرانَكَ رَبَّنا أكثر . القسم السادس : معرفة المعاد والبعث والقيامة وهو المراد من قوله : وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [ البقرة : 285 ] وهذا هو الإشارة إلى معرفة المطالب المهمة في طلب الدين ، والقرآن بحر لا نهاية له في تقرير هذه المطالب وتعريفها وشرحها ولا ترى في مشارق الأرض ومغاربها كتابا يشتمل على جملة هذه العلوم كما يشتمل القرآن عليها . ومن تأمل في هذا التفسير علم أنا لم نذكر من بحار فضائل القرآن إلا قطرة ، ولما كان الأمر على هذه الجملة ، لا جرم مدح اللّه عز وجل القرآن فقال تعالى : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ واللّه أعلم .