فخر الدين الرازي
438
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
واعلم أنه تعالى حكم على الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه بأن قال : أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ وفي ذلك دقيقة عجيبة ، وهي أن حصول الهداية في العقل والروح أمر حادث ، ولا بد له من فاعل وقابل . أما الفاعل فهو اللّه سبحانه وهو المراد من قوله : أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأما القابل فإليه الإشارة بقوله : وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ فإن الإنسان ما لم يكن عاقلا كامل الفهم امتنع حصول هذه المعارف الحقية في قلبه . وإنما قلنا إن الفاعل لهذه الهداية هو اللّه ، وذلك لأن جوهر النفس مع ما فيها من نور العقل قابل للاعتقاد الحق والاعتقاد الباطل ، وإذا كان الشيء قابلا للضدين كانت نسبة ذلك القابل إليهما على السوية ، ومتى كان الأمر كذلك امتنع كون ذلك القابل سببا لرجحان أحد الطرفين ، ألا ترى أن الجسم لما كان قابلا للحركة والسكون على السوية ، امتنع أن تصير ذات الجسم سببا لرجحان أحد الطرفين على الآخر ، فإن قالوا لا نقول إن ذات النفس والعقل يوجب هذا الرجحان ، بل نقول إنه يريد تحصيل أحد الطرفين ، فتصير تلك الإرادة سببا لذلك الرجحان ، فنقول هذا باطل ، لأن ذات النفس كما أنها قابلة لهذه الإرادة ، فكذلك ذات العقل قابلة لإرادة مضادة لتلك الإرادة ، فيمتنع كون جوهر النفس سببا لتلك الإرادة ، فثبت أن حصول الهداية لا بد لها من فاعل ومن قابل أما الفاعل : فيمتنع أن يكون هو النفس ، بل الفاعل هو اللّه تعالى وأما القابل : فهو جوهر النفس ، فلهذا السبب قال : أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ ثم قال : أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ / وفيه مسائل : المسألة الأولى : في لفظ الآية سؤال وهو أنه يقال إنه قال : أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ ولا يصح في الكلام العربي أن يدخل حرف الاستفهام على الاسم وعلى الخبر معا ، فلا يقال أزيد أتقتله ، بل هاهنا شيء آخر ، وهو أنه كما دخل حرف الاستفهام على الشرط وعلى الجزاء ، فكذلك دخل حرف الفاء عليهما معا وهو قوله : أَ فَمَنْ حَقَّ ، أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ ولأجل هذا السؤال اختلف النحويون وذكروا فيه وجوها الأول : قال الكسائي : الآية جملتنا والتقدير أفمن حق عليه كلمة العذاب ، أفأنت تحميه ، أفأنت تنقذ من في النار الثاني : قال صاحب « الكشاف » : أصل الكلام أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه ، وهي جملة شرطية دخل عليها همزة الإنكار والفاء فاء الجزاء ، ثم دخلت الفاء التي في أولها للعطف على محذوف يدل عليه الخطاب والتقدير أأنت مالك أمرهم ، فمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه ، والهمزة الثانية هي الأولى كررت لتوكيد معنى الإنكار والاستبعاد ، ووضع من في النار موضع الضمير ، والآية على هذا جملة واحدة الثالث : لا يبعد أن يقال إن حرف الاستفهام إنما ورد هاهنا لإفادة معنى الإنكار ، ولما كان استنكاره هذا / المعنى كاملا تاما . لا جرم ذكر هذا الحرف في الشرط وأعاده في الجزاء تنبيها على المبالغة التامة في ذلك الإنكار . المسألة الثانية : احتج الأصحاب بهذه الآية في مسألة الهدى والضلال ، وذلك لأنه تعالى قال : أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ فإذا حقت كلمة العذاب عليه امتنع منه فعل الإيمان والطاعة ، وإلا لزم انقلاب خبر اللّه الصدق كذبا ، وانقلاب علمه جهلا وهو محال والوجه الثاني : في الاستدلال بالآية أنه تعالى حكم بأن حقية كلمة العذاب توجب الاستنكار التام من صدور الإيمان والطاعة عنه ، ولو كان ذلك ممكنا ولم تكن حقيقة كلمة العذاب مانعة منه لم يبق لهذا الاستنكار والاستبعاد معنى . المسألة الثالثة : احتج القاضي بهذه الآية على أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم لا يشفع لأهل الكبائر ، قال لأنه حق عليهم