فخر الدين الرازي

425

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ثم قال تعالى : لَهُ الْمُلْكُ وهذا يفيد الحصر أي له الملك لا لغيره ، ولما ثبت أنه لا ملك / إلا له وجب القول بأنه لا إله إلا هو لأنه لو ثبت إله آخر ، فذلك الإله إما أن يكون له الملك أو لا يكون له الملك ، فإن كان له الملك فحينئذ يكون كل واحد منهما مالكا قادرا ويجرى بينهما التمانع كما ثبت في قوله : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] وذلك محال ، وإن لم يكن للثاني شيء من القدرة والملك فيكون ناقصا ولا يصلح للإلهية ، فثبت أنه لما دل الدليل على أنه لا ملك إلا اللّه ، وجب أن يقال لا إله للعالمين ولا معبود للخلق أجمعين إلا اللّه الأحد الحق الصمد ، ثم اعلم أنه سبحانه لما بين بهذه الدلائل كمال قدرة اللّه سبحانه وحكمته ورحمته ، رتب عليه تزييف طريقة المشركين والضالين من وجوه الأول : قوله : فَأَنَّى تُصْرَفُونَ يحتج به أصحابنا ويحتج به المعتزلة . أما أصحابنا فوجه الاستدلال لهم بهذه الآية : أنها صريحة في أنهم لم ينصرفوا بأنفسهم عن هذه البيانات بل صرفها عنهم غيرهم ، وما ذاك الغير إلا اللّه ، وأيضا فدليل العقل يقوي ذلك لأن كل واحد يريد لنفسه تحصيل الحق والصواب ، فلما لم يحصل ذلك وإنما حصل الجهل والضلال علمنا أنه من غيره لا منه ، وأما المعتزلة فوجه الاستدلال لهم : أن قوله : فَأَنَّى تُصْرَفُونَ تعجب من هذا الانصراف ، ولو كان الفاعل لذلك الصرف هو اللّه تعالى لم يبق لهذا التعجب معنى . ثم قال تعالى : إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ والمعنى أن اللّه تعالى ما كلف المكلفين ليجر إلى نفسه منفعة أو ليدفع عن نفسه مضرة ، وذلك لأنه تعالى غني على الإطلاق ، ويمتنع في حقه جر المنفعة ودفع المضرة ، وإنما قلنا إنه غني لوجوه : الأول : واجب الوجود لذاته وواجب الوجود في جميع صفاته ، ومن كان كذلك كان غنيا على الإطلاق الثاني : أنه لو كان محتاجا لكانت تلك الحاجة إما قديمة وإما حادثة . والأول باطل وإلا لزم أن يخلق في الأزل ما كان محتاجا إليه وذلك محال ، لأن الخلق والأزل متناقض . والثاني باطل لأن الحاجة نقصان والحكيم لا يدعوه الداعي إلى تحصيل النقصان لنفسه الثالث : هب أنه يبقى الشك في أنه هل تصح الشهوة والنفرة والحاجة عليه أم لا ؟ أما من المعلوم بالضرورة أن الإله القادر على خلق السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم والعرش والكرسي والعناصر الأربعة ، والمواليد الثلاثة يمتنع أن ينتفع بصلاة زيد وصيام عمرو ، وأن يضر بعدم صلاة هذا وعدم صيام ذاك ، فثبت بما ذكرنا أن جميع العالمين لو كفروا وأصروا على الجهل فإن اللّه غني عنهم . ثم قال تعالى بعده : وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ يعني أنه وإن كان لا ينفعه إيمان ولا يضره كفران إلا أنه لا يرضى بالكفر ، واحتج الجبائي بهذه الآية من وجهين : الأول : أن المجبرة يقولون إن اللّه تعالى خلق كفر العباد وإنه من جهة ما خلقه حق وصواب ، قال ولو كان الأمر كذلك لكان قد رضى الكفر من الوجه الذي خلقه ، وذلك ضد الآية الثاني : لو كان الكفر بقضاء اللّه تعالى لوجب علينا أن نرضى به لأن الرضا بقضاء اللّه تعالى واجب ، وحيث اجتمعت الأمة على أن الرضا بالكفر كفر ثبت أنه ليس بقضاء اللّه وليس أيضا برضاء اللّه تعالى ، وأجاب / الأصحاب عن هذا الاستدلال من وجوه الأول : أن عادة القرآن جارية بتخصيص لفظ العباد بالمؤمنين ، قال اللّه تعالى : وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً [ الفرقان : 63 ] وقال : عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ [ الإنسان : 6 ] وقال : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ * [ الحجر : 42 ] فعلى هذا التقدير قوله : وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ ولا يرضى للمؤمنين الكفر ، وذلك لا يضرنا الثاني : أنا نقول الكفر