فخر الدين الرازي
405
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
جزاءهم عليه قيل أنتم قدمتموه لنا فجعل الرؤساء هم المقدمين وجعل الجزاء هو المقدم ، والضمير في قوله : قَدَّمْتُمُوهُ كناية عن الطغيان الذي دل عليه قوله : وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ وقوله : فَبِئْسَ الْقَرارُ أي بئس المستقر والمسكن جهنم ، ثم قالت الأتباع رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً أي مضاعفا ومعناه ذا ضعف ونظيره قوله تعالى : رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً [ الأعراف : 38 ] وكذلك قوله تعالى : رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ [ الأحزاب : 67 ، 68 ] فإن قيل كل مقدار يفرض من العذاب فإن كان بقدر الاستحقاق لم يكن مضاعفا ، وإن كان زائدا عليه كان ظلما وإنه لا يجوز . قلنا المراد منه قوله عليه السلام : « ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » والمعنى أنه يكون أحد القسمين عذاب الضلال ، والثاني عذاب الإضلال واللّه أعلم . وهاهنا آخر شرح أحوال الكفار مع الذين كانوا أحبابا لهم في الدنيا ، وأما شرح أحوالهم مع الذين كانوا أعداء لهم في الدنيا فهو قوله : وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ يعني أن الكفار إذا نظروا إلى جوانب جهنم فحينئذ يقولون : ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ يعنون فقراء المسلمين الذين لا يؤبه بهم وسموهم من الأشرار ، إما بمعنى الأراذل الذين لا خير فيهم ولا جدوى ، أو لأنهم كانوا على خلاف دينهم فكانوا عندهم أشرارا ثم قالوا : أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي مِنَ الْأَشْرارِ أَتَّخَذْناهُمْ بوصل ألف أَتَّخَذْناهُمْ والباقون بفتحها على الاستفهام ، قال أبو عبيد وبالوصل يقرأ لأن الاستفهام متقدم في قوله : ما لَنا لا نَرى رِجالًا ، ولأن المشركين لا يشكون في اتخاذهم المؤمنين في الدنيا سخريا ، لأنه تعالى قد أخبر عنهم بذلك في قوله : فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي [ المؤمنون : 110 ] فكيف يحسن أن يستفهموا عن شيء علموه ؟ أجاب الفراء عنه بأن قال هذا من الاستفهام الذي معناه التعجيب والتوبيخ ، ومثل هذا الاستفهام جائز عن الشيء المعلوم ، أما وجه قول من ألحق الهمزة للاستفهام أنه لا بد من المصير إليه ليعادل قوله : أَتَّخَذْناهُمْ بأم في قوله : أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ فإن قيل فما الجملة المعادلة لقوله : أَمْ زاغَتْ على القراءة الأولى ؟ قلنا إنها محذوفة والمعنى المقصودون هم أم زاغت عنهم الأبصار . المسألة الثانية : قرأ نافع سِخْرِيًّا بضم السين والباقون بكسرها ، وقيل هما بمعنى واحد وقيل بالكسر هو الهزء وبالضم هو التذليل والتسخير . المسألة الثالثة : اختلفوا في نظم الآية على قولين بناء على القراءتين المذكورتين أما القراءة على سبيل الإخبار فالتقدير ما لنا لا نراهم حاضرين لأجل أنهم لحقارتهم تركوا ، أو لأجل أنهم زاغت عنهم الأبصار . ووقع التعبير عن حقارتهم بقولهم أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا وأما القراءة على سبيل الاستفهام ، فالتقدير لأجل أنا قد اتخذناهم سخريا وما كانوا كذلك فلم يدخلوا النار ، أم لأجل أنه زاغت عنهم الأبصار ، واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذه المناظرة قال إن ذلك الذي حكينا عنهم لحق لا بد وأن يتكلموا به ، ثم بين أن الذي حكيناه عنهم ما هو ، فقال : تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ وإنما سمى اللّه تعالى تلك الكلمات تخاصما لأن قول الرؤساء لا مَرْحَباً بِهِمْ وقول الأتباع بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ من باب الخصومة .