فخر الدين الرازي

402

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ثم قال تعالى : جَنَّاتِ عَدْنٍ وهو بدل من قوله : لَحُسْنَ مَآبٍ ثم قال : مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ وفيه مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في تأويل هذا اللفظ وجوها الأول : قال الفراء : معناه مفتحة لهم أبوابها ، والعرب تجعل الألف واللام خلفا من الإضافة ، تقول العرب : مررت برجل حسن الوجه ، فالألف واللام في الوجه بدل من الإضافة والثاني : قال الزجاج : المعنى : مفتحة لهم الأبواب منها الثالث : قال صاحب « الكشاف » الْأَبْوابُ بدل من الضمير ، وتقديره مفتحة / هي الأبواب ، كقولك ضرب زيد اليد والرجل ، وهو من بدل الاشتمال . المسألة الثانية : قرئ : جنات عدن مفتحة بالرفع على تقدير أن يكون قوله : جنات عدن مبتدأ ومفتحة خبره ، وكلاهما خبر مبتدأ محذوف ، أي هو جنات عدن مفتحة لهم . المسألة الثالثة : اعلم أنه تعالى وصف من أحوال أهل الجنة في هذه الآية أشياء الأول : أحوال مساكنهم ، فقوله : جَنَّاتِ عَدْنٍ يدل على أمرين أحدهما : كونها جنات وبساتين والثاني : كونها دائمة آمنة من الانقضاء . وفي قوله : مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ وجوه الأول : أن يكون المعنى أن الملائكة الموكلين بالجنان إذا رأوا صاحب الجنة فتحوا له أبوابها وحيوه بالسلام ، فيدخل كذلك محفوفا بالملائكة على أعز حال وأجمل هيئة ، قال تعالى : حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ [ الزمر : 73 ] . الثاني : أن تلك الأبواب كلما أرادوا انفتاحها انفتحت لهم ، وكلما أرادوا انغلاقها انغلقت لهم الثالث : المراد من هذا الفتح ، وصف تلك المساكن بالسعة ، ومسافرة العيون فيها ، ومشاهدة الأحوال اللذيذة الطيبة . ثم قال تعالى : مُتَّكِئِينَ فِيها يدعون فيها ، وفيه مباحث : البحث الأول : أنه تعالى ذكر في هذه الآية كونهم متكئين في الجنة ، وذكر في سائر الآيات كيفية ذلك الاتكاء ، فقال في آية : عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ [ يس : 56 ] وقال في آية أخرى : مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ [ الرحمن : 76 ] . البحث الثاني : قوله : مُتَّكِئِينَ فِيها حال قدمت على العامل فيها وهو قوله : يَدْعُونَ فِيها والمعنى يدعون في الجنات متكئين فيها ثم قال : بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ والمعنى بألوان الفاكهة وألوان الشراب ، والتقدير بفاكهة كثيرة وشراب كثير ، والسبب في ذكر هذا المعنى أن ديار العرب حارة قليلة الفواكه والأشربة ، فرغبهم اللّه تعالى فيه . ولما بين تعالى أمر المسكن وأمر المأكول والمشروب ذكر عقيبه أمر المنكوح ، فقال : وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ وقد سبق تفسيره في سورة والصافات ، وبالجملة فالمعنى كونهن قاصرات الطرف عن غيرهم مقصورات القلب على محبتهم ، وقوله : أَتْرابٌ أي على سن واحد ، ويحتمل كون الجواري أترابا ، ويحتمل كونهن أترابا للأزواج ، قال القفال : والسبب في اعتبار هذه الصفة ، أنهن لما تشابهن في الصفة والسن والحلية كان الميل إليهن على السوية ، وذلك يقتضي عدم الغيرة . ثم قال تعالى : هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ يعني أن اللّه تعالى وعد المتقين بالثواب الموصوف بهذه