فخر الدين الرازي
396
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
كثيفة الأجسام ، وزعم أن الناس كانوا يشاهدونهم في زمن سليمان ، ثم إنه لما توفي سليمان عليه السلام ، أمات اللّه أولئك الجن والشياطين ، وخلق نوعا آخر من الجن والشياطين تكون أجسامهم في غاية الرقة ، ولا يكون لهم شيء من القوة ، والموجود في زماننا من الجن والشياطين ليس إلا من هذا الجنس . ثم قال تعالى : هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ وفيه قولان الأول : قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : أعط من شئت وامنع من شئت بغير حساب ، أي ليس عليك حرج فيما أعطيت وفيما أمسكت الثاني : أن هذا في أمر الشياطين خاصة ، والمعنى هؤلاء الشياطين المسخرون عطاؤنا فامنن على من شئت من الشياطين فحل عنه ، واحبس من شئت منهم في العمل بغير حساب . ولما ذكر اللّه تعالى ما أنعم به على سليمان في الدنيا ، أردفه بإنعامه عليه في الآخرة ، فقال : وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ وقد سبق تفسيره . [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 41 إلى 44 ] وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ ( 41 ) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ ( 42 ) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 43 ) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( 44 ) [ القصة الثالثة ] [ في قوله تعالى وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إلى قوله بِنُصْبٍ وَعَذابٍ ] اعلم أن هذا هو القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة ، واعلم أن داود وسليمان كانا ممن أفاض اللّه عليه أصناف الآلاء والنعماء ، وأيوب كان ممن خصه اللّه تعالى بأنواع البلاء ، والمقصود من جميع هذه القصص الاعتبار . كأن اللّه تعالى قال : يا محمد اصبر على سفاهة قومك فإنه ما كان في الدنيا أكثر نعمة ومالا وجاها من داود وسليمان عليهما السلام ، وما كان أكثر بلاء ومحنة من أيوب ، فتأمل في أحوال هؤلاء لتعرف أن أحوال الدنيا لا تنتظم لأحد ، وأن العاقل لا بد له من الصبر على المكاره ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب « الكشاف » : أيوب عطف بيان ، وإذ بدل اشتمال منه أَنِّي مَسَّنِيَ أي بأني مسني حكاية لكلامه الذي ناداه بسببه ، ولو لم يحك لقال بأنه مسه لأنه غائب ، وقرء : بِنُصْبٍ بضم النون وفتحها مع سكون الصاد وفتحها وضمها ، فالنصب والنصب ، كالرشد والرشد ، والعدم والعدم ، والسقم والسقم ، والنصب ، على أصل المصدر ، والنصب تثقيل نصب ، والمعنى واحد ، وهو التعب والمشقة والعذاب والألم . واعلم أنه كان قد حصل عنده نوعان من المكروه : الغم الشديد بسبب زوال الخيرات وحصول المكروهات ، والألم الشديد في الجسم ولما حصل هذان النوعان لا جرم ، ذكر اللّه تعالى لفظين وهما النصب والعذاب . المسألة الثانية : للناس في هذا الموضع قولان الأول : أن الآلام والأسقام الحاصلة في جسمه إنما حصلت بفعل الشيطان الثاني : أنها إنما حصلت بفعل اللّه ، والعذاب المضاف في هذه الآية إلى الشيطان هو عذاب الوسوسة ، وإلقاء الخواطر الفاسدة .