فخر الدين الرازي
383
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
لو كانا ملكين لكانا كاذبين في قولهما : خَصْمانِ فإنه ليس بين الملائكة خصومة ، ولكانا كاذبين في قولهما : بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ ولكانا كاذبين في قولهما : إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً فثبت أنهما لو كانا ملكين كاذبين والكذب على الملك غير جائز لقوله تعالى : لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ [ الأنبياء : 27 ] ولقوله : وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ * [ النحل : 50 ] أجاب الذاهبون إلى القول الأول عن هذا الكلام بأن قالوا إن الملكين إنما ذكرا هذا الكلام على سبيل ضرب المثل لا على سبيل التحقيق فلم يلزم الكذب ، وأجيب عن هذا الجواب بأن ما ذكرتم يقتضي العدول عن ظاهر اللفظ ، ومعلوم أنه على خلاف الأصل ، أما إذا حملنا الكلام على أن الخصمين كانا رجلين دخلا عليه لغرض الشر ثم وضعا هذا الحديث الباطل ، فحينئذ لزم إسناد الكذب إلى شخصين فاسقين فكان هذا أولى من القول الأول واللّه أعلم ، وأما القائلون بكونهما ملكين فقد احتجوا بوجوه الأول : اتفاق أكثر المفسرين عليه والثاني : أنه أرفع منزلة من أن يتسور عليه آحاد الرعية في حال تعبده فيجب أن يكون ذلك من الملائكة الثالث : أن قوله تعالى : قالُوا لا تَخَفْ كالدلالة على كونهما ملكين لأن من هو من رعيته لا يكاد يقول له مثل ذلك مع رفعة منزلته الرابع : أن قولهما : وَلا تُشْطِطْ كالدلالة على كونهما ملكين لأن أحدا من رعيته لا يتجاسر أن يقول له لا تظلم ولا تتجاوز عن الحق ، واعلم أن ضعف هذه الدلائل ظاهر ، ولا حاجة إلى الجواب ، واللّه أعلم . المسألة الثالثة : بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ أي تعدى وخرج عن الحد يقال بغى الجرح / إذا أفرط وجعه وانتهى إلى الغاية ، ويقال بغت المرأة إذا زنت ، لأن الزنا كبيرة منكرة ، قال تعالى : وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ [ النور : 33 ] ثم قال : فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ معنى الحكم إحكام الأمر في إمضاء تكليف اللّه عليهما في الواقعة ، ومنه حكمة الدابة لأنها تمنع من الجماح ، ومنه بناء محكم إذا كان قويا ، وقوله : بِالْحَقِّ أي بالحكم الحق وهو الذي حكم اللّه به وَلا تُشْطِطْ يقال شط الرجل إذا بعد ، ومنه قوله : شطت الدار إذا بعدت ، قال تعالى : لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً [ الكهف : 14 ] أي قولا بعيدا عن الحق ، فقوله : وَلا تُشْطِطْ أي لا تبعد في هذا الحكم عن الحق ، ثم قال : وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ وسواء الصراط هو وسطه ، قال تعالى : فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ [ الصافات : 55 ] ووسط الشيء أفضله وأعدله ، قال تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [ البقرة : 143 ] وأقول إنهم عبروا عن المقصود الواحد بثلاث عبارات أولها : قولهم فاحكم بالحق وثانيها : قولهم : وَلا تُشْطِطْ وهي نهي عن الباطل وثالثها : قولهم : وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ يعني يجب أن يكون سعيك في إيجاد هذا الحق . وفي الاحتراز عن هذا الباطل أن تردنا من الطريق الباطل إلى الطريق الحق ، وهذا مبالغة تامة في تقرير المطلوب ، واعلم أنهم لما أخبروا عن وقوع الخصومة على سبيل الإجمال أردفوه ببيان سبب تلك الخصومة على سبيل التفصيل ، فقال : إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب « الكشاف » أَخِي يدل من هذا أو خبر لقوله : إِنَّ والمراد أخوة الدين أو أخوة الصداقة والألفة أو أخوة الشركة والخلطة ، لقوله تعالى : وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ وكل واحدة من هذه الأخوات توجب الامتناع من الظلم والاعتداء . المسألة الثانية : قال صاحب « الكشاف » قرئ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ بفتح التاء ونعجة بكسر النون ، وهذا من اختلاف اللغات نحو نطع ونطع ، ولقوة ولقوة وهي الأنثى من العقبان .