فخر الدين الرازي
375
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
عبد القاهر النحوي في كتاب دلائل الإعجاز ، إذا ثبت هذا فنقول قوله : يُسَبِّحْنَ يدل على / حدوث التسبيح من الجبال شيئا بعد شيء وحالا بعد حال وكان السامع حاضر تلك الجبال يسمعها تسبح . البحث الثالث : قال الزجاج يقال شرقت الشمس إذا طلعت وأشرقت إذا أضاءت وقيل هما بمعنى ، والأول أكثر تقول العرب شرقت الشمس والماء يشرق . البحث الرابع : احتجوا على شرعية صلاة الضحى بهذه الآية ، عن أم هانئ قالت : « دخل علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلى صلاة الضحى ، وقال : يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق » وعن طاوس عن ابن عباس قال : « هل تجدون ذكر صلاة الضحى في القرآن ؟ قالوا لا ، فقرأ إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق » وقال كان يصليها داود عليه السلام وقال لم يزل في نفسي شيء من صلاة الضحى حتى وجدتها في قوله : يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ . الصفة السادسة : من صفات داود عليه السلام قوله تعالى : وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ « 1 » وفيه مباحث : البحث الأول : قوله : وَالطَّيْرَ معطوفة على الجبال والتقدير وسخرنا الطير محشورة ، قال ابن عباس رضي اللّه عنهما كان داود إذا سبح جاوبته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه ، واجتماعها إليه هو حشرها فيكون على هذا التقدير حاشرها هو اللّه فإن قيل كيف يصدر تسبيح اللّه عن الطير مع أنه لا عقل لها ، قلنا لا يبعد أن يقال إن اللّه تعالى كان يخلق لها عقلا حتى تعرف اللّه فتسبحه حينئذ ، وكل ذلك كان معجزة لداود عليه السلام . البحث الثاني : قال صاحب « الكشاف » قوله : مَحْشُورَةً في مقابلة يُسَبِّحْنَ إلا أنه ليس في الحشر مثل ما كان في التسبيح من إرادة الدلالة على الحدوث شيئا بعد شيء ، فلا جرم جيء به اسما لا فعلا ، وذلك أنه لو قيل وسخرنا الطير محشورة يسبحن على تقدير أن الحشر وجد من حاشرها جملة واحدة دل على القدر المذكور واللّه أعلم . البحث الثالث : قرئ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً بالرفع . الصفة السابعة : من صفات داود عليه السلام ، قوله تعالى : كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ومعناه كل واحد من الجبال والطير أواب أي رجاع ، أي كلما رجع داود إلى التسبيح جاوبته ، فهذه الأشياء أيضا كانت ترجع إلى تسبيحاتها ، والفرق بين هذه الصفة وبين ما قبلها أن فيما سبق علمنا أن الجبال والطير سبحت مع تسبيح داود عليه السلام ، وبهذا اللفظ فهمنا دوام تلك الموافقة وقيل الضمير في قوله : كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ للّه تعالى أي كل من داود والجبال والطير للّه أواب أي مسبح مرجع للتسبيح . الصفة الثامنة : قوله تعالى : وَشَدَدْنا مُلْكَهُ أي قويناه وقال تعالى : سَنَشُدُّ عَضُدَكَ / بِأَخِيكَ [ القصص : 35 ] وقيل شددنا على المبالغة ، وأما الأسباب الموجبة لحصول هذا الشد فكثيرة ، وهي إما الأسباب
--> ( 1 ) كذلك فعل المؤلف هنا وفي الموضعين ما فعله في الآية التي أشرنا إليها بالهامش في ص 374 وقد اضطر إلى ذلك اضطرارا كما هو ظاهر وليس في هذا الصنيع أي إخلال بالتفسير وإنما هو مغايرة للتنظيم والتنسيق فحسب .