فخر الدين الرازي
366
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ما ذكره المفسر كون محمد صادقا في تبليغ الرسالة أو كون القرآن أو هذه السورة معجزة والحكم المذكور بعد كلمة ( بل ) هاهنا هو المنازعة والمشاقة في كونه كذلك فحصل المطلوب ، واللّه أعلم . المسألة الثانية : قرأ الحسن صاد بكسر الدال لأجل التقاء الساكنين ، وقرأ عيسى بن عمر بنصب صاد ونون وبحذف حرف القسم وإيصال فعله كقولهم اللّه لأفعلن ، وأكثر القراء على الجزم لأن الأسماء العارية عن العوامل تذكر موقوفة الأواخر . المسألة الثالثة : في قوله ذي الذكر وجهان الأول : المراد ذي الشرف ، قال تعالى : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [ الزخرف : 44 ] وقال تعالى : لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ [ الأنبياء : 10 ] ومجاز هذا من قولهم لفلان ذكر في الناس ، كما يقولون له صيت الثاني : ذي البيانين أي فيه قصص الأولين والآخرين ، وفيه بيان العلوم الأصلية والفرعية ومجازه من قوله : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ * [ القمر : 22 ] . المسألة الرابعة : قالت المعتزلة القرآن ذي الذكر والذكر محدث بيان الأول : قوله تعالى : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [ الزخرف : 44 ] وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ [ الأنبياء : 50 ] وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [ ص : 1 ] إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ [ يس : 69 ] وبيان الثاني : قوله : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ [ الأنبياء : 2 ] وقوله : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ والجواب : أنا نصرف دليلكم إلى الحروف والأصوات وهي محدثة . أما قوله : بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فالمراد منه الكفار من رؤساء قريش الذين يجوز على مثلهم الإجماع على الحسد والتكبر عن الانقياد إلى الحق ، والعزة هاهنا التعظيم وما يعتقده الإنسان في نفسه من الأحوال التي تمنعه من متابعة الغير لقوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ [ البقرة : 206 ] والشقاق هو إظهار المخالفة على جهة المساواة للمخالف أو على جهة الفضيلة عليه ، وهو مأخوذ من الشق كأنه يرتفع عن أن يلزمه الانقياد له بل يجعل نفسه في شق وخصمه في شق ، فيريد أن يكون في شقة نفسه ولا يجري عليه حكم خصمه ، ومثله المعاداة وهو أن يكون أحدهما في عدوة والآخر في عدوة ، وهي جانب الوادي ، وكذلك المحادة أن يكون هذا في حد غير حد الآخر ، ويقال انحرف فلان عن فلان وجانب فلان فلانا أي صار منه على حرف وفي جانب غير جانبه واللّه أعلم ، ثم إنه تعالى لما وصفهم بالعزة والشقاق خوفهم فقال : كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا والمعنى أنهم نادوا عند نزول العذاب في الدنيا ولم يذكر بأي شيء نادوا ، وفيه وجوه الأول : وهو الأظهر أنهم نادوا بالاستغاثة لأن نداء من نزل به العذاب ليس إلا بالاستغاثة الثاني : نادوا بالإيمان والتوبة عند معاينة العذاب الثالث : نادوا أي رفعوا أصواتهم ، يقال فلان أندى صوتا من فلان أي ارفع صوتا ، ثم قال : وَلاتَ حِينَ مَناصٍ يعني / ولم يكن ذلك الوقت وقت فرار من العذاب وهو كقوله فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا [ غافر : 84 ] وقال : حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ [ المؤمنون : 64 ] والجؤار رفع الصوت بالتضرع والاستغاثة وكقوله : آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ [ يونس : 91 ] وقوله : فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا [ غافر : 85 ] بقي هاهنا أبحاث : البحث الأول : في تحقيق الكلام في لفظ ( لات ) زعم الخليل وسيبويه أن لات هي لا المشبهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث كما زيدت على رب وثم للتأكيد ، وبسبب هذه الزيادة حدثت لها أحكام جديدة ، منها أنها لا تدخل إلا على الأحيان ، ومنها أن لا يبرز إلا أحد جزءيها ، إما الاسم وإما الخبر ويمتنع بروزهما جميعا ،