فخر الدين الرازي
352
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
اعلم أن هذا هو القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة ، واعلم أن وجوه الأنعام وإن كانت كثيرة إلا أنها محصورة في نوعين إيصال المنافع إليه ودفع المضار عنه واللّه تعالى ذكر القسمين هاهنا ، فقوله : وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ إشارة إلى إيصال المنافع إليهما ، وقوله : وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ إشارة إلى دفع المضار عنهما . أما القسم الأول : وهو إيصال المنافع ، فلا شك أن المنافع على قسمين : منافع الدنيا ومنافع الدين ، أما منافع الدنيا فالوجود والحياة والعقل والتربية والصحة وتحصيل صفات الكمال في ذات كل واحد منهما ، وأما منافع الدين فالعلم والطاعة ، وأعلى هذه الدرجات النبوة الرفيعة المقرونة بالمعجزات الباهرة القاهرة ، ولما ذكر اللّه تعالى هذه التفاصيل في سائر السور ، لا جرم اكتفى هاهنا بهذا الرمز . وأما القسم الثاني : وهو دفع الضرر فهو المراد من قوله : وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وفيه قولان : قيل إنه الغرق ، أغرق اللّه فرعون وقومه ، ونجى اللّه بني إسرائيل ، وقيل المراد أنه تعالى نجاهم من إيذاء فرعون حيث كان يذبح أبنائهم ويستحيي نساءهم . واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه منَّ على موسى وهارون ، فصل أقسام تلك المنة . والهاء في قوله : وَنَصَرْناهُمْ أي نصرنا موسى وهارون وقومهما : فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ في كل الأحوال بظهور الحجة وفي آخر الأمر بالدولة والرفعة وثانيهما : قوله تعالى : وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ والمراد منه التوراة ، وهو الكتاب المشتمل على جميع العلوم التي يحتاج إليها في مصالح الدين والدنيا ، كما قال : إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ [ المائدة : 44 ] ، وثالثها : قوله تعالى : وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ أي دللناهما على طريق الحق عقلا وسمعا ، وأمددناهما بالتوفيق والعصمة ، وتشبيه الدلائل الحقة بالطريق المستقيم واضح ورابعها : قوله تعالى : وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ وفيه قولان الأول : أن المراد وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ وهم أمة محمد صلى اللّه عليه وسلّم قولهم : سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ والثاني : أن المراد وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ وهم أمة محمد صلى اللّه عليه وسلّم الثناء الحسن والذكر الجميل ، وعلى هذا التقدير فقوله بعد ذلك : سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ هو كلام اللّه تعالى ، ولما ذكر تعالى هذه الأقسام الأربعة من أبواب التعظيم والتفضيل قال : إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وقد سبق تفسيره ، ثم قال تعالى : إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ والمقصود التنبيه ، على أن الفضيلة الحاصلة بسبب الإيمان أشرف وأعلى وأكمل من كل الفضائل ، ولولا ذلك لما حسن ختم فضائل موسى وهارون بكونهما من المؤمنين ، واللّه أعلم .