فخر الدين الرازي

345

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

عليه السلام لم يجزم به ، بل قال : عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ [ القصص : 22 ] فما الفرق ؟ قلنا العبد إذا تجلى له مقامات رحمة اللّه فقد يجزم بحصول المقصود ، وإذا تجلى له مقامات كونه غنيا عن العالمين ، فحينئذ يستحقر نفسه فلا يجزم ، بل لا يظهر إلا الرجاء والطمع . المسألة الرابعة : قوله تعالى : إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي يدل على فساد تمسك المشبهة بقوله تعالى : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [ فاطر : 10 ] لأن كلمة إلى موجودة في قوله : إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي مع أنه لم يلزم أن يكون الإله موجودا في ذلك المكان ، فكذلك هاهنا . واعلم أنه صلوات اللّه عليه لما هاجر إلى الأرض المقدسة أراد الولد فقال : هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ أي هب لي بعض الصالحين ، يريد الولد ، لأن لفظ الهبة غلب في الولد ، وإن كان قد جاء في الأخ في قوله تعالى : وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا [ مريم : 53 ] وقال تعالى : وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ [ الأنبياء : 72 ] وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى [ الأنبياء : 90 ] وقال علي بن أبي طالب لابن عباس رضي اللّه عنهم حين هنأه بولده : على أبي الأملاك شكرت الواهب ، وبورك لك في الموهوب ، ولذلك وقعت التسمية بهبة اللّه تعالى وبهبة الوهاب وبموهوب ووهب . واعلم أن هذا الدعاء اشتمل على ثلاثة أشياء : على أن الولد غلام ذكر ، وأنه يبلغ الحلم ، وأنه يكون حليما ، وأي حلم يكون أعظم من ولد حين عرض عليه أبوه الذبح قال سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [ الصافات : 102 ] ثم استسلم لذلك ، وأيضا فإن إبراهيم عليه السلام كان موصوفا بالحلم ، قال تعالى : إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [ التوبة : 114 ] إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ [ هود : 75 ] فبين أن ولده موصوف بالحلم ، وأنه قائم مقامه في صفات الشرف والفضيلة ، واعلم أن الصلاح أفضل الصفات بدليل أن الخليل عليه السلام طلب الصلاح لنفسه ، فقال : رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [ الشعراء : 83 ] وطلبه للولد فقال : رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ وطلبه سليمان عليه السلام بعد كمال درجته في الدين والدنيا ، فقال : وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ [ النمل : 19 ] وذلك يدل على أن الصلاح أشرف مقامات العباد . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 102 إلى 113 ] فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ( 102 ) فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ( 103 ) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ ( 104 ) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 105 ) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ( 106 ) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ( 107 ) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ( 108 ) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ ( 109 ) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 110 ) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ( 111 ) وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( 112 ) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ( 113 )