فخر الدين الرازي
70
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الرابعة : الفاء في قوله : فَإِيَّايَ تدل على أنه جواب لشرط فما ذلك ؟ فنقول قوله : إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ إشارة إلى عدم المانع من عبادته فكأنه قال إذا كان لا مانع من عبادتي فاعبدوني ، وأما الفاء في قوله تعالى : فَاعْبُدُونِ فهو لترتيب المقتضى على المقتضى كما يقال هذا عالم فأكرموه فكذلك هاهنا لما أعلم نفسه بقوله : فَإِيَّايَ وهو لنفسه يستحق العبادة قال فَاعْبُدُونِ . المسألة الخامسة : قال العبد مثل هذا في قوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وقال عقيبه : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ واللّه تعالى وافقه في قوله : فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ولم يذكر الإعانة نقول بل هي مذكورة في قوله يا عِبادِيَ لأن المذكور بعبادي لما كان الشيطان مسدود السبيل عليه مسدود القبيل عنه كان في غاية الإعانة . المسألة السادسة : قدم اللّه الإعانة وأخر العبد الاستعانة ، قلنا لأن العبد فعله لغرض وكل فعل لغرض ، فإن الغرض سابق على الفعل في الإدراك ، وذلك لأن من يبني بيتا للسكنى يدخل في ذهنه أولا فائدة السكنى فيحمله على البناء ، لكن الغرض في الوجود لا يكون إلا بعد فعل الواسطة ، فنقول الاستعانة من العبد لغرض العبادة فهي سابقة في إدراكه ، وأما اللّه تعالى فليس فعله لغرض فراعى ترتيب الوجود ، فإن الإعانة قبل العبادة . ثم قال تعالى : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 57 ] كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ ( 57 ) لما أمر اللّه تعالى المؤمنين بالمهاجرة صعب عليهم ترك الأوطان ومفارقة الإخوان ، فقال لهم إن ما تكرهون لا بد من وقوعه فإن كل نفس ذائقة الموت والموت مفرق الأحباب فلأولى أن يكون ذلك في سبيل اللّه فيجازيكم عليه ، فإن إلى اللّه مرجعكم ، وفيه وجه أرق وأدق ، وهو أن اللّه تعالى قال : كل نفس إذا كانت غير متعلقة بغيرها فهي للموت ، ثم إلى اللّه ترجع فلا تموت كما قال تعالى : لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ [ الدخان : 56 ] إذا ثبت هذا فمن يريد ألا يذوق الموت لا يبقى مع نفسه فإن / النفس ذائقته بل يتعلق بغيره وذلك الغير إن كان غير اللّه فهو ذائق الموت ومورد الهلاك بقوله : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ و كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] فإذا التعلق باللّه يريح من الموت فقال تعالى فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ أي تعلقوا بي ، ولا تتبعوا النفس فإنها ذائقة الموت ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ أي إذا تعلقتم بي فموتكم رجوع إلي وليس بموت كما قال تعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ [ آل عمران : 169 ] وقال عليه السلام : « المؤمنون لا يموتون بل ينقلون من دار إلى دار » فعلى هذا الوجه أيضا يتبين وجه التعلق . ثم قال تعالى : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 58 ] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ( 58 ) بين ما يكون للمؤمنين وقت الرجوع إليه كما بين من قبل ما يكون للكافرين بقوله : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ [ العنكبوت : 54 ] فبين أن للمؤمنين الجنان في مقابلة ما أن للكافرين النيران ، وبين أن فيها غرفا تجري من تحتها الأنهار في مقابلة ما بين أن تحت الكافرين النار ، وبين أن ذلك أجر عملهم بقوله تعالى : نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ في مقابلة ما بين أن ما تقدم جزاء عمل الكفار بقوله : ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ العنكبوت : 55 ] ثم في الآيتين اختلافات فيها لطائف منها أنه تعالى ذكر في العذاب أن فوقهم عذابا أي نارا ، ولم يذكر هاهنا