فخر الدين الرازي
7
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
إنما كانت تصل إليهم ، لأن الناس كانوا يحملونها إليهم فلو لم يكن فعل العبد خلقا للّه تعالى لما صحت تلك الإضافة ، فإن قيل سبب تلك الإضافة أنه تعالى هو الذي ألقى تلك الدواعي في قلوب من ذهب بتلك الأرزاق إليهم ، قلنا تلك الدواعي إن اقتضت الرجحان ، فقد بينا في غير موضع أنه متى حصل الرجحان ، فقد حصل الوجوب وحينئذ يحصل المقصود ، وإن لم يحصل الرجحان انقطعت الإضافة بالكلية . واعلم أنه تعالى إنما بين أن تلك الأرزاق ما وصلت إليهم إلا من اللّه تعالى ، لأجل أنهم متى علموا ذلك صاروا بحيث لا يخافون أحدا سوى اللّه تعالى ولا يرجون أحدا غير اللّه تعالى ، فيبقى نظرهم منقطعا عن الخلق متعلقا بالخالق ، وذلك يوجب كمال الإيمان والإعراض بالكلية عن غير اللّه تعالى والإقبال بالكلية على طاعة اللّه تعالى . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 58 إلى 59 ] وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ ( 58 ) وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ ( 59 ) اعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن تلك الشبهة ، وذلك لأنه تعالى لما بين لأهل مكة ما خصوا به من النعم أتبعه بما أنزله اللّه تعالى بالأمم الماضية الذين كانوا في نعم الدنيا ، فلما كذبوا الرسل أزال اللّه عنهم تلك النعم والمقصود أن الكفار لما قالوا إنا لا نؤمن خوفا من زوال نعمة الدنيا ، فاللّه تعالى بين لهم أن الإصرار على عدم قبول الإيمان هو الذي يزيل هذه النعم ، لا الإقدام على الإيمان ، قال صاحب « الكشاف » : البطر سوء احتمال الغنى وهو أن لا يحفظ حق اللّه تعالى فيه وانتصبت معيشتها إما بحذف الجار واتصال الفعل كقوله : وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ [ الأعراف : 155 ] أو بتقدير حذف الزمان المضاف وأصله بطرت أيام معيشتها ، وإما تضمين بطرت معنى كفرت . فأما قوله : فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ففي هذا الاستثناء وجوه أحدها : قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : لم يسكنها إلا المسافر ومار الطريق يوما أو ساعة . وثانيها : يحتمل أن شؤم معاصي المهلكين بقي أثره في ديارهم ، فكل من سكنها من أعقابهم لم يبق فيها إلا قليلا وكنا نحن الوارثين لها بعد هلاك أهلها ، وإذا لم يبق للشيء مالك معين قيل إنه ميراث اللّه لأنه الباقي بعد فناء خلقه ، ثم إنه سبحانه لما ذكر أنه أهلك تلك القرى بسبب بطر أهلها ، فكأن سائلا أورد السؤال من وجهين الأول : لما ذا ما أهلك اللّه الكفار قبل محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع أنهم كانوا مستغرقين في الكفر والعناد ؟ الثاني : لما ذا ما أهلكهم بعد مبعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع تمادي القوم في الكفر باللّه تعالى والتكذيب بمحمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ؟ فأجاب عن السؤال الأول بقوله : وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وحاصل الجواب أنه تعالى قدم بيان أن عدم البعثة يجري مجرى العذر للقوم ، فوجب أن لا يجوز إهلاكهم إلا بعد البعثة ، ثم ذكر المفسرون وجهين أحدهما : وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا أي في القرية التي هي أمها وأصلها وقصبتها التي هي أعمالها وتوابعها رسولا لإلزام الحجة وقطع المعذرة الثاني : وما كان ربك مهلك القرى التي في الأرض حتى يبعث في أم القرى يعني مكة رسولا وهو محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء ، ومعنى : يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا يؤدي ويبلغ ، وأجاب عن