فخر الدين الرازي
64
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الأنبياء والأئمة قريب من الخلاف في فضيلة الرؤساء والملوك ، فإذا اختلف حزبان في فضيلة ملكين أو رئيسين ، وأدى الاختلاف إلى الاقتتال يكون أقوى كلام يصلح بينهم أن يقال لهم هذان الملكان متوافقان متصادقان ، فلا معنى لنزاعكم فكذلك هاهنا قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم نحن آمنا بالأنبياء وهم آمنوا بي فلا معنى لتعصبكم لهم وكذلك أكابركم وعلماؤكم آمنوا ، ثم قال تعالى : وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ تنفيرا لهم عما هم عليه ، يعني أنكم آمنتم بكل شيء ، وامتزتم عن المشركين بكل فضيلة ، إلا هذه المسألة الواحدة ، وبإنكارها تلحقون بهم وتبطلون مزاياكم ، فإن الجاحد بآية يكون كافرا . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 48 إلى 49 ] وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ ( 48 ) بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظَّالِمُونَ ( 49 ) ثم قال تعالى : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ هذه درجة أخرى بعد ما تقدم على الترتيب ، وذلك لأن المجادل إذا ذكر مسألة مختلفا فيها كقول القائل : الزكاة تجب في مال الصغير ، فإذا قيل له لم ؟ فيقول كما تجب النفقة في ماله ، ولا يذكر أولا الجامع بينهما ، فإن قنع الطالب بمجرد التشبيه وأدرك من نفسه الجامع فذاك ، وإن لم يدرك أو لم يقنع يبدي الجامع ، فيقول كلاهما مال فضل عن الحاجة فيجب فكذلك هاهنا ذكر أولا التمثيل بقوله : وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ [ العنكبوت : 47 ] ثم ذكر الجامع وهو المعجزة ، فقال ما علم كون تلك الكتب منزلة إلا بالمعجزة ، وهذا القرآن ممن لم يكتب ولم يقرأ عين المعجزة ، فيعرف كونه منزلا ، وقوله تعالى : إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ فيه معنى لطيف ، وهو أن النبي إذا كان قارئا كاتبا ما كان يوجب كون هذا الكلام كلامه ، فإن جميع كتبة الأرض وقرائها لا يقدرون عليه ، لكن على ذلك التقدير يكون للمبطل وجه ارتياب ، وعلى ما هو عليه لا وجه لارتيابه فهو أدخل في الإبطال وهذا كقوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [ البقرة : 23 ] أي من مثل محمد عليه السلام وكقوله : ألم * ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ [ البقرة : 1 ، 2 ] . ثم قال تعالى : بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ قوله فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إشارة إلى أنه ليس من مخترعات الآدميين ، لأن من يكون له كلام مخترع يقول هذا من قلبي وخاطري ، وإذا حفظه من غيره يقول إنه في قلبي وصدري ، فإذا قال : فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ لا يكون من صدر أحد منهم ، والجاهل يستحيل منه ذلك ظهور له من الصدور ويلتحقون عنده هذه الأمة بالمشركين ، فظهوره من اللّه . ثم قال تعالى : وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ قال هاهنا الظَّالِمُونَ ومن قبل قال الْكافِرُونَ [ العنكبوت : 47 ] مع أن الكافر ظالم ولا تنافي بين الكلامين وفيه فائدة ، وهي أنهم قبل بيان المعجزة قيل لهم إن لكم المزايا فلا تبطلوها بإنكار محمد فتكونوا كافرين ، فلفظ الكافر هناك كان بليغا يمنعهم من ذلك لاستنكافهم عن الكفر ، ثم بعد بيان المعجزة قال لهم إن جحدتم هذه الآية لزمكم إنكار إرسال الرسل فتلتحقون في أول الأمر بالمشركين حكما ، وتلتحقون عند هذه الآية بالمشركين حقيقة فتكونوا ظالمين ، أي مشركين ، كما بينا أن الشرك ظلم عظيم ، فهذا اللفظ هاهنا أبلغ وذلك اللفظ هناك أبلغ . ثم قال تعالى : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 50 ] وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 50 )