فخر الدين الرازي

50

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

يأت أحد بهذا القبيح وهذا ظاهر ، والثاني : أن قبلهم ربما أتى به واحد في الندرة لكنهم بالغوا فيه ، فقال لهم ما سبقكم بها من أحد ، كما يقال إن فلانا سبق البخلاء في البخل ، وسبق اللئام في اللؤم إذا زاد عليهم ، ثم قال تعالى : أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ بيانا لما ذكرنا ، يعنى تقضون الشهوة بالرجال مع قطع السبيل المعتاد مع النساء المشتمل على المصلحة التي هي بقاء النوع ، حتى يظهر أنه قبيح لم يستر قبحه مصلحة ، وحينئذ يصير هذا كقوله تعالى : لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ * [ الأعراف : 81 ] يعني إتيان النساء شهوة قبيحة مستترة بالمصلحة فلكم دافع لحاجتكم لا فاحشة فيه وتتركونه وتأتون الرجال شهوة مع الفاحشة وقوله : وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ يعني ما كفاكم قبح فعلكم حتى تضمون إليه قبح الإظهار ، وقوله : فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ في التفسير ، كقوله في قصة إبراهيم وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ وفي الآية مسائل : / الأولى : قال قوم إبراهيم اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ [ العنكبوت : 24 ] وقال قوم لوط ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ وما هددوه ، مع أن إبراهيم كان أعظم من لوط ، فإن لوطا كان من قومه ، فنقول إن إبراهيم كان يقدح في دينهم ويشتم آلهتهم بتعديد صفات نقصهم بقوله : لا يسمع ، ولا يبصر ، ولا يغني والقدح في الدين صعب ، فجعلوا جزاءه القتل والتحريق ، ولوط كان ينكر عليهم فعلهم وينسبهم إلى ارتكاب المحرم وهم ما كانوا يقولون إن هذا واجب من الدين ، فلم يصعب عليهم مثل ما صعب على قوم إبراهيم قول إبراهيم ، فقالوا إنك تقول إن هذا حرام واللّه يعذب عليه ونحن نقول لا يعذب ، فإن كنت صادقا فأتنا بالعذاب ، فإن قيل إن اللّه تعالى قال في موضع آخر فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ [ النمل : 56 ] وقال هاهنا فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا فكيف الجمع ؟ فنقول لوط كان ثابتا على الإرشاد مكررا عليهم التغيير والنهي والوعيد ، فقالوا أولا ائتنا ، ثم لما كثر منه ذلك ولم يسكت عنهم قالوا أخرجوا ، ثم إن لوطا لما يئس منهم طلب النصرة من اللّه وذكرهم بما لا يحب اللّه فقال رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ فإن اللّه لا يحب المفسدين ، حتى ينجز النصر . واعلم أن نبيا من الأنبياء ما طلب هلاك قوم إلا إذا علم أن عدمهم خير من وجودهم ، كما قال نوح : إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً [ نوح : 27 ] يعني المصلحة إما فيهم حالا أو بسببهم مآلا ولا مصلحة فيهم ، فإنهم يضلون في الحال وفي المآل فإنهم يوصون الأولاد من صغرهم بالامتناع من الاتباع ، فكذلك لوط لما رأى أنهم يفسدون في الحال واشتغلوا بما لا يرجى معه منهم ولد صالح يعبد اللّه ، بطلت المصلحة حالا ومآلا ، فعدمهم صار خيرا ، فطلب العذاب . ثم قال تعالى : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 31 إلى 32 ] وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ ( 31 ) قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ ( 32 ) لما دعا لوط على قومه بقوله : رَبِّ انْصُرْنِي استجاب اللّه دعاءه ، وأمر ملائكته بإهلاكهم وأرسلهم مبشرين ومنذرين ، فجاءوا إبراهيم وبشروه بذرية طيبة وقالوا : إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ يعني أهل سدوم ،